الاعتدال في الخطاب الديني: الدكتور احمد الوائلي انموذجا

phplove llمنذ ساعتينآخر تحديث :
الاعتدال في الخطاب الديني: الدكتور احمد الوائلي انموذجا

الاعتدال في الخطاب الديني: الدكتور احمد الوائلي انموذجا

بقلم : الاستاذ المساعد مصطفى الموسوي..

في مدينة النجف الأشرف عام 1928 احد معاقل العلم وتحديداً في السابع عشر من ربيع الأول شاءت الإرادة الإلهية أن تتزامن ولادة (الدكتور الشيخ أحمد الوائلي) مع ذكرى ميلاد النبي محمد (ﷺ) وفي رحاب هذه المدينة العلمية وضمن بيئتها الدينية الزاخرة بالعلم المعرفة ولج الشيخ الوائلي أبواب الحوزة العلمية في سن مبكرة فنهل من علومها الأساسية فدرس النحو والصرف والبيان، والمنطق، والأدب واللغة ، ثم ارتقى إلى مرحلة السطوح، فازدادت معارفه رسوخاً، إذ تزوّد بعلوم الفقه والأصول والفلسفة، وبلغ مرحلة البحث الخارج، مسجلاً حضوراً علمياً متقدماً .

 

ولم يقتصر على هذا المسار الحوزوي الرفيع بل انصرف أيضًا إلى الدراسة الأكاديمية فنحاز على شهادة البكالوريوس في العلوم الشرعية من كلية الفقه بجامعة الكوفة عام 1962 ثم حصل على شهادة الماجستير من جامعة بغداد عام 1969 وأتمّ مسيرته العلمية بنيل درجة دكتوراه الفلسفة من كلية دار العلوم في جامعة القاهرة عام 1972 وبذلك جمع بين الدراسة الحوزوية والدراسة الجامعية محققا تكاملا علميا مميزا عكس سعة معارفه وتنوع مصادر تكوينه العلمي .

 

اعتمد في قراءته على بحوث السيد أبو القاسم الخوئي والسيد محسن الحكيم، وألّف كتباً في شتى الميادين العلمية والأدبية وهنا نريد أن نأخذ دوره في التوظيف الديني والأدبي في مجالسه ومحاضراته وأن نقرأ من خلال خطبه المنبرية ومحاضراته الدينية كيف كانت محاضراته معتدلة وفكره معتدلاً ، فهذه الصفة جعلته يمتاز عن غيره من الخطباء بصفات وخصائص قد لا يشاركه فيها أحد سابقاً وحالياً، وما كان هذا ليحدث إلا لكونه امتلك ما يكفي من العلم والدراسة والدراية في الاستدلال، وفي إثارته لأحاسيس السامع والتأثير فيه، مستعملاً أسلوب الجمع بين الدراسة الأكاديمية والدراسة الحوزوية والشعرية ، وبهذا استطاع أن يقدم أنموذجاً رائعاً في الأداء الخطابي الذي اختلطت فيه القدرة الخطابية والموهبة الشعرية .

 

عند الرجوع إلى محاضراته نجد أنها قد ارتكزت على عدة مرتكزات، في مقدمتها توظيف النص القرآني في المحاضرة فنراه يدرج النصوص القرآنية بشكل واضح ودقيق، وهذا ما يرفع مكانة الخطاب الديني ويقرّب صورة الخطاب إلى المتلقي، إذ نرى محاضراته لا تخلو أبداً من الاقتباسات القرآنية، كما أنه يعطي معطيات مهمة للحادثة التاريخية ، كذلك من المرتكزات الأخرى لديه (الفن التشبيهي) فهو يرسم للسامع لوحة فنية من خلال التوظيف ، فنراه يربط العقل بالجمال، والاستدلال بالتصوير ، فمثلاً في قوله (قسم يدخل إلى الدنيا كما يدخل العشب البريء في أيام الربيع … وقسم يدخل إلى النار كالشجرة العالية الوارفة الظل… وقسم يدخل إلى الحياة كالشجرة المثمرة، في كل عام يتجدد عطاؤها) فنرى جمال توظيفه لحادثة معينة بصورة الفن التشبيهي.

 

المرتكز الآخر هو التشبيه الديني من خلال توظيفه لأحاديث الرسول (ﷺ) والسيرة النبوية، وهذه الأحاديث لا تقل شأناً عن الاقتباس القرآني ، كما تتميز خطبه بالبساطة في اللغة وطرح الأفكار القريبة من رؤى السامعين والمخاطبين واستعداداتهم الذهنية والفكرية والاجتماعية، فضلاً عن توظيف الأساليب الفنية لإثارة المتلقي وتحريك الأذهان، ولا سيما أسلوب الاستفهام، فعلى سبيل المثال، في إحدى محاضراته طرح سؤالاً: هل الحسين عليه السلام يريد الجاه؟ فهذا التساؤل يعصف بذهن السامع ويزيد من ارتباطه بالمحاضرة لاستذكار معلوماته ومتابعته لمحاورها.

 

المرتكز الآخر هو أقوال وأحاديث الصحابة وأهل البيت، لأن هذه الأحاديث تثري موهبة الأديب في نتاجه الفني ، فلم يكتفِ بالتطرق إلى أصحاب تلك الأقوال والأحاديث بل تبحّر في معانيها وتعامل مع الحديث والرواية بما يلائم الحدث الحالي ومن هنا تبرز عدة نقاط مهمة:

 

1) حرص الخطيب على إيصال أفكاره وتعميقها في ذهن المتلقي على أسس يصعب إنكارها من خلال استرجاع الماضي

2) بناء سياق مقارنة بين الماضي والحاضر والمستقبل

3) تجنب الخطيب بعض الأمور والمفارقات الصعبة في التاريخ الإسلامي والاكتفاء بالإيحاء إليها حرصاً على وحدة المسلمين وعدم زرع التفرقة بين الناس والطوائف والأديان ، فمثلاً نراه كثيراً ما يكرر قوله: (جماعة كبيرة من الناس …)

أما التوظيف الأدبي والشعري فقد انقسم في محاضراته إلى قسمين: الأول توظيفه للشعر العربي العام ، حديثه وقديمه في نصوص محاضراته إذ كان يلتقط الشعر الذي يحمل دلالات واضحة عن الحديث الذي يعضد المعنى عليه ، أما القسم الآخر فهو توظيفه لشعره الخاص (لانه كان شاعرا) إذ إن الخطيب عندما يكون شاعراً، فهذا يعني أن حيزاً من التوظيف لشعره سيأخذ مكاناً بارزاً في نصه الأدبي، وذلك لعلم الشاعر أن الشعر يزيد في المعنى أو الفكرة إشراقاً ودلالة، كما يوفر لوناً خاصاً، وفي أحيان يكون دفاعاً ومحاججة ورأياً.

 

أما توظيفه النثري للنص فقد لجأ في بعض الأحيان إلى تلبية حاجة النص إلى توظيف نثري على تعدد أنواعه لما له من أهمية في النص الخطابي ، وقد انقسم التوظيف النثري عنده إلى توظيف خطب لأهل البيت (عليهم السلام) والثاني هو توظيف أقوال العلماء العرب وتوظيف الحوادث والقصص وتوظيف الأمثال العربية والشعبية.

 

كان الشيخ الوائلي يرتكز في الخطاب الهادف بعيداً عن السب والشتم والألفاظ الخارجة، لأنه كان يرى أن المنبر هو منبر إصلاح وتربية لا إهانة ، وكان يرى أن ابتعاده عن هكذا ممارسات يحافظ على وحدة المجتمع ويمنع الانقسامات الطائفية أو العائلية التي تنشأ من الخطاب العدواني.

 

وإن هذا الجانب ينسجم مع تقاليد أهل البيت في تبليغ الرسالة بالحكمة والموعظة الحسنة، دون اللجوء إلى الإهانة والتجريح الشخصي ، فنراه يعكس ثقافة الحوار، ويطوّر قدرة المستمع على التأمل والفهم بدلاً من الانفعال والعصبية.

 

إن التأمل في تجربة الشيخ أحمد الوائلي يكشف عن مدرسة متكاملة في الخطاب الديني مدرسة لم تقتصر على حدود الإلقاء أو التأثير الآني، بل تجاوزت ذلك لتؤسس وعياً قائماً على التوازن بين العقل والعاطفة، وبين النص الديني والواقع الاجتماعي.

 

لقد قدّم الوائلي نموذجاً للخطيب الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وهي سمة تمثل اليوم حاجة ملحّة للخطباء إذ لم يعد المتلقي كما كان في السابق، بل أصبح أكثر وعياً وتنوعاً في مصادر المعرفة، الأمر الذي يفرض خطاباً دينياً رصيناً يقوم على الحجة والدليل، ويبتعد عن السطحية والتكرار ، ومن هنا فإن الخطيب المعاصر مدعو إلى استلهام منهج الوائلي في التأسيس العلمي، وفي قدرته على الربط بين النص القرآني والواقع، وبين التاريخ والحاضر.

 

كما أن من أبرز ما يمكن أن يتعظ به الخطباء اليوم هو اعتدال الوائلي وابتعاده عن إثارة النزاعات والخلافات، إذ كان حريصاً على وحدة المجتمع، مستلهماً في ذلك نهج النبي محمد (ﷺ) في الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ، ويكتسب هذا الجانب أهمية مضاعفة في زمن كثرت فيه الانقسامات، وأصبح فيه الخطاب المتشنج سبباً في تمزيق النسيج الاجتماعي ، وعليه فإن الخطيب المعاصر مطالب بأن يكون عنصر جمع لا تفريق وأن يجعل من المنبر وسيلة للإصلاح لا ساحة للصراع.

 

ومن جهة أخرى فإن توظيف الوائلي للفن الأدبي والشعري في خطابه يقدّم درساً بليغاً في أن الخطاب الديني لا ينبغي أن يكون جافاً أو تقليدياً، بل يمكن أن يكون جميلاً مؤثراً يجمع بين الفكر والإحساس وهذا ما يحتاجه الخطباء اليوم في ظل منافسة وسائل الإعلام الحديثة التي تقوم على الجاذبية والتشويق ، إن استحضار البعد الجمالي في الخطاب، من غير إخلال بمضمونه يعد من أبرز مفاتيح التأثير في الجمهور المعاصر.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة