الدولار يضرب من جديد… عندما يتحوّل سعر الصرف إلى معركة على القرار الاقتصادي
الدكتورة / نادية الجدوع
خبير ستراتيحي
عاصفة الدولار… من يهزّ عرش الدينار؟
الدولار يقفز… والدينار يدفع ثمن العاصفة الاقتصادية
لم يعد الدولار في السوق العراقية مجرد رقمٍ يتبدّل على شاشات الصيرفة، ولم يعد ارتفاعه حركةً يومية عابرة يمكن اختزالها في معادلة العرض والطلب. فكل قفزة في سعر الصرف تحمل معها موجةً من الأسئلة، وكل ارتفاع في قيمة الدولار يطرق أبواب الأسواق والمستهلكين والتجار والمنتجين، ويعيد إلى الواجهة سؤالاً أكبر من السعر نفسه: إلى أين يتجه الاقتصاد العراقي، ومن يمتلك مفاتيح استقراره؟
إن ما يحدث في سوق الصرف اليوم يستحق أن يُقرأ بعيداً عن لغة الهلع والمبالغة، وبعيداً كذلك عن التطمين السهل. فالدولار عندما يقفز، لا يتحرك وحده؛ إذ تتحرك معه توقعات السوق، وكلفة الاستيراد، وهوامش الأسعار، وثقة المواطن، وحسابات التجار، بل وحتى المزاج الاقتصادي العام.
إنها معركة ثقة قبل أن تكون معركة أرقام.
فالعملة الوطنية لا تستمد قوتها من الرقم الرسمي وحده، وإنما من قوة الاقتصاد الذي يقف خلفها، ومن قدرة الدولة على إدارة النقد الأجنبي، وضبط الأسواق، وحماية الاستقرار المالي، ومنع المضاربات من تحويل التوتر المؤقت إلى اتجاه دائم.
حين يصبح الدولار عنواناً للقلق
الدولار في العراق ليس سلعةً عادية.
إنه حاضر في تفاصيل الاقتصاد اليومية؛ في الاستيراد، وفي التجارة، وفي حركة رأس المال، وفي تسعير عدد واسع من السلع والخدمات. ولهذا فإن ارتفاعه في السوق الموازية لا يبقى محصوراً في محلات الصيرفة، بل يمكن أن ينتقل تدريجياً إلى أسعار السلع، وكلفة النشاط التجاري، وقدرة المواطن الشرائية.
وهنا تكمن الخطورة.
فالمواطن لا يراقب سعر الدولار بوصفه مؤشراً مالياً مجرداً، وإنما يراقبه لأنه يعرف أن أي اضطراب طويل في سعر الصرف قد يتحول إلى اضطراب في سعر حياته اليومية.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس ارتفاع الدولار ليوم أو يومين، وإنما أن تتحول القفزة إلى توقعات راسخة لدى السوق بأن الارتفاع سيستمر.
عندها يبدأ الاقتصاد بالدخول في دائرة أكثر تعقيداً:
ارتفاع التوقعات يولّد طلباً أكبر على الدولار، والطلب الأكبر يرفع السعر، وارتفاع السعر يعزز المخاوف، والمخاوف تعيد إنتاج الطلب من جديد.
وهنا لا تعود المسألة مجرد «سعر صرف»؛ بل تصبح حلقة نفسية واقتصادية متكاملة.
من يهزّ عرش الدينار؟
السؤال الحقيقي ليس: لماذا ارتفع الدولار اليوم فقط؟
بل:
ما الذي يجعل السوق مستعدة لتصديق أن الدولار يستطيع الارتفاع أكثر؟
هذه هي النقطة التي ينبغي أن تتوقف عندها القراءة الاقتصادية الجادة.
فاستقرار الدينار لا يُبنى بالتصريحات وحدها، ولا يُحمى بالمعالجات المؤقتة وحدها. إنه يحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ من السياسة النقدية، وتمتد إلى النظام المصرفي، وإدارة التحويلات الخارجية، وتنظيم التجارة، ومكافحة المضاربات، وتعزيز الثقة بالمصارف والقنوات الرسمية.
كما أن معالجة السوق الموازية لا يمكن أن تكون أمنية أو إعلامية فقط؛ لأن السوق، في نهاية المطاف، يبحث عن المصلحة والسيولة والثقة والسرعة.
كلما كانت القنوات الرسمية أكثر كفاءة وشفافية واستجابة لحاجة السوق، ضاقت المساحة التي تستطيع السوق الموازية أن تتحرك فيها.
الدولار يقفز… لكن المشكلة أعمق من الدولار
من الخطأ أن ننظر إلى كل ارتفاع في الدولار وكأنه دليل تلقائي على انهيار اقتصادي.
وبالمقابل، من الخطأ الأكبر أن نتعامل مع كل ارتفاع باعتباره أمراً طبيعياً لا يستحق التوقف عنده.
الاقتصاد القوي لا يخاف من المؤشرات، بل يقرأها.
والدولة القوية لا تخفي التحديات، بل تديرها.
ولهذا فإن القفزة الحالية ينبغي أن تكون جرس إنذار مؤسسياً يدفع إلى مراجعة أدوات إدارة سوق الصرف، وليس مادةً للمزايدات السياسية أو صناعة الذعر الشعبي.
فالعراق يمتلك موارد وإمكانات اقتصادية كبيرة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الإمكانات إلى استقرار اقتصادي مستدام، لا إلى قدرة مؤقتة على امتصاص الصدمات.
المعركة الحقيقية: الثقة
في الاقتصاد، الثقة ليست كلمةً معنوية.
الثقة قيمة اقتصادية لها أثر مباشر في سلوك المستثمر والتاجر والمستهلك.
عندما يثق المواطن بأن السياسة النقدية مستقرة، وأن المصارف قادرة على تلبية احتياجاته، وأن الدولة تمتلك أدوات التدخل، تقل دوافع الهروب إلى الدولار.
وعندما تتراجع الثقة، يبدأ الدولار بالتحول من وسيلة للتجارة إلى مخزن نفسي للقيمة.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فالمواطن الذي يخشى انخفاض قيمة مدخراته قد يبحث عن الدولار، والتاجر الذي يتوقع ارتفاع كلفة الاستيراد قد يعيد تسعير بضائعه مسبقاً، والمستورد الذي يتوقع ارتفاع سعر الدولار قد يرفع كلفة السلع قبل أن ترتفع فعلياً.
وبذلك يمكن أن تتحول التوقعات إلى تضخم، والتضخم إلى قلق، والقلق إلى طلب إضافي على الدولار.
إنها دائرة ينبغي كسرها قبل أن تتسع.
الدينار يحتاج إلى اقتصاد يحميه
لا يمكن حماية الدينار إلى الأبد بمجرد ضخ الدولار في السوق.
هذه أداة من أدوات السياسة النقدية، لكنها ليست بديلاً عن بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وأقل اعتماداً على النفط والاستيراد.
قوة العملة الوطنية تبدأ من قوة الاقتصاد الحقيقي:
من الإنتاج،
من الصناعة،
من الزراعة،
من الاستثمار،
من التجارة المنظمة،
من القطاع الخاص،
من المصارف القادرة،
ومن التحول الرقمي الذي يقلل الاقتصاد النقدي غير المنظم.
وعندما يصبح الاقتصاد العراقي أكثر إنتاجاً وأقل استهلاكاً للاستيراد، وأكثر قدرة على خلق القيمة داخل البلاد، يصبح الدينار أكثر قدرة على الصمود أمام العواصف الخارجية والداخلية.
فالعملة لا يحميها البنك المركزي وحده؛ يحميها اقتصاد كامل.
لا نحتاج إلى صناعة الذعر… بل إلى صناعة الإجابة
في لحظات اضطراب الأسواق، تنتشر الشائعات أسرع من البيانات، وتصبح المعلومة الناقصة أكثر تأثيراً من الحقيقة الكاملة.
ولهذا تحتاج الدولة إلى خطاب اقتصادي واضح، سريع، ومهني.
المواطن يريد أن يعرف:
ما الذي يحدث؟
لماذا حدث؟
ما حجمه؟
هل هو مؤقت أم مستمر؟
وما الأدوات التي تمتلكها الدولة لمعالجته؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى خطاب إنشائي، بل إلى شفافية اقتصادية وبيانات دقيقة ورسالة مؤسسية واحدة.
ففي سوق العملات، الصمت قد يصنع فراغاً، والفراغ تملؤه الشائعة.
لحظة اختبار… لا لحظة انهيار
الدولار اليوم يختبر قدرة السوق العراقية على امتصاص الصدمات، ويختبر في الوقت نفسه قدرة المؤسسات الاقتصادية على إدارة التوقعات.
وهنا ينبغي أن يكون الخطاب الوطني واضحاً:
لا تهويل يزرع الذعر، ولا إنكار يطمس المشكلة.
بل قراءة دقيقة، وإدارة هادئة، وإجراءات محسوبة.
فالعراق ليس أمام معركة مع ورقة الدولار بحد ذاتها؛ العراق أمام معركة أوسع عنوانها استقرار القرار الاقتصادي.
وإذا كانت القفزة الحالية عابرة، فإن سرعة امتصاصها ستكون رسالة قوة.
أما إذا استمرت، فإن المطلوب لن يكون مجرد تدخلات يومية، بل مراجعة أعمق لمنظومة الصرف والتجارة والمصارف والسيولة والاستيراد.
الخاتمة: من يهزّ عرش الدينار؟
قد يقفز الدولار اليوم، وقد يتراجع غداً.
لكن القضية التي يجب ألا تتراجع هي قوة القرار الاقتصادي العراقي.
فالأسواق لا تحترم الأمنيات، وإنما تستجيب للسياسات الواضحة، والمؤسسات القوية، والبيانات الدقيقة، والاقتصاد المنتج.
ومن هنا فإن السؤال الأهم ليس:
كم بلغ الدولار؟
بل:
كم نملك من أدوات تجعل ارتفاعه مؤقتاً، لا مساراً؟
الدينار لا يحتاج إلى شعارات تدافع عنه؛ يحتاج إلى اقتصاد ينتج، ومؤسسات تُحسن الإدارة، ومصارف تستعيد الثقة، وسوقٍ منظم، وسياسة نقدية متماسكة، ورؤية اقتصادية تتجاوز إدارة الأزمة إلى صناعة الاستقرار.
فحين يقفز الدولار، لا ينبغي أن تهتز الدولة.
وحين تضطرب الأسواق، يجب أن يبقى القرار الاقتصادي ثابتاً.
لأن المعركة الحقيقية ليست بين الدولار والدينار فقط… بل بين اقتصادٍ يُدار بردّة الفعل، واقتصادٍ تصنعه الدولة بالرؤية والقرار.
الدكتورة نادية الجدوع
خبير استراتيجي | باحثة وكاتبة وإعلامية















