سقوط “جمهورية السكراب”: كيف فككت عائلة الكربولي الصناعة العراقية وحولتها إلى إقطاعية سوداء لغسيل المليارات؟
لم تكن مذكرات القبض الأخيرة بحق وزير الصناعة الأسبق أحمد الكربولي، بتهمة التضخم “الأسود” والغير مشروع لأمواله، مجرد إجراء رقابي عابر أو قراءة مفاجئة في حساباته البنكية؛ بل هي إعلان رسمي عن تفكيك شفرة أضخم عملية “قرصنة منظمة” وتدمير ممنهج للبنية التحتية للاقتصاد العراقي. إنها الحكاية الكاملة لكيفية تحويل وزارة سيادية، بمصانعها وعقودها، إلى “دكان عائلي” يدار بريموت كنترول سياسي لشفط ثروات البلاد.
الهولوكوست الصناعي: 276 مقصلة لإنهاء “صنع في العراق”
لم يكتفِ أحمد الكربولي وعصابته بابتلاع العقود، بل مارسوا جريمة “خيانة عظمى” تمثلت في تفكيك وبيع المعامل العملاقة والتاريخية للدولة العراقية، وتحويلها إلى “سكراب” يباع في الأسواق بأسعار بخسة، لقطع شريان الإنتاج الوطني وفتح الباب على مصراعيه لاستيراد الخردة الأجنبية. من بين هذه المعالم التي بيعت في وضح النهار:
معمل الأسلاك النحاسية في عامرية الفلوجة: الصرح الذي تم تفريغه وتفكيكه بالكامل.
المصانع الإستراتيجية في الكوت والحلة: التي تحولت من قلاع إنتاجية إلى هياكل مهجورة لحساب صفقات مشبوهة.
كل هذا التدمير جرى تحت غطاء 276 قضية فساد مالي وإداري موثقة، أحيلت مجتمعة إلى هيئة النزاهة لتكشف عن حجم الاستباحة المروعة لهيكل الدولة.
”إمبراطورية الأشقاء”: رادارات الابتزاز وإدارة “العقود الميتة”
منذ اليوم الأول لجلوس أحمد الكربولي على كرسي الوزارة، تحول مكتبه ودائرة العقود إلى “غرفة عمليات” عائلية لتوزيع الغنائم، وتوزيع الأدوار بين أشقائه باحترافية العصابات المنظمة:
جمال الكربولي (رئيس كتلة الحل): العقل المدبر ومخرج الصفقات؛ الذي زرع موظفين يدينون له بالولاء المطلق في المفاصل الحساسة بالوزارة ودائرة العقود، لتمرير عقود وهمية مرعبة، كان أخطرها كذبة “الشركة الكندية” بقيمة مليار و100 مليون دولار التي طارت في الهواء.
محمد ناصر دلي وعلاء ناصر الكربولي: أشقاء الوزير وسماسرة الصفقات، الذين استثمروا الحصانة البرلمانية والنفوذ السياسي في ممارسة أبشع أنواع الابتزاز والمقايضة، لضمان تدفق خطوط المال دون رقيب.
رابطة الشفافية في العراق تفجرها: “أكبر عملية سرقة علنية جرت في تاريخ الوزارات تمت بعلم الجميع، حيث قادت عائلة الكربولي عمليات نهب منظمة في وزارتي الصناعة والكهرباء عبر الضغط السياسي العاري والابتزاز المباشر للوزراء.”
مافيا المدارس الوهمية.. و5 ملايين دولار لشراء صمت البرلمان
تخطت هذه الشبكة كل خطوط الوقاحة الأخلاقية عندما امتدت يدها إلى قطاع التربية والتعليم، مبتكرةً آلية تعاقد هجينة وغريبة (بين وزارتين داخل دولة واحدة!) بالتواطؤ مع شركة الفاو، لسرقة تخصيصات بناء المدارس. تركوا أطفال العراق يفترشون الطين، بينما تحولت أموال المدارس إلى تضخم مرعب في حساباتهم الشخصية.
ولأن المنظومة الفاسدة كانت تمتلك أنياباً سياسية، فقد حاولت خنق أي صوت يحاول كشف الحقيقة. وتأتي شهادة النائبة عالية نصيف لتكشف عمق المستنقع: حيث تم تقديم عرض مالي يسيل له اللعاب في عمان بقيمة 5 ملايين دولار كاش بمحاولة لشراء ذمتها، مقابل سحب ملف استجواب الوزير أحمد الكربولي وإلغائه من جدول أعمال البرلمان!
الصندوق الأسود في الخارج ومكب نفايات “المقايضات”
مذكرة الاعتقال الأخيرة كشفت العورة المالية لهذه العائلة، بعد أن حاصرتها الأدلة التي تثبت وجود تضخم فلكي وغير مشروع في حسابات أحمد الكربولي المودعة في المصارف الحكومية العراقية في الخارج—وهي الأموال المهربة والمغسولة من دماء واقتصاد الشعب العراقي.
إن المأساة الكبرى التي يندى لها الجبين، هي أن النظام السياسي المشوه الذي بني على المحاصصة، سمح لسنوات بتحويل هذه المحاضر والملفات الخطيرة من قبة البرلمان إلى مكب نفايات النزاهة البرلمانية عبر صفقات التسوية والمقايضة السياسية؛ حيث كان يُشطب على ملف فساد الكربولي مقابل التغطية على ملف فساد لجهة سياسية أخرى!
إن الملاحقة القضائية الحالية لأحمد الكربولي وأشقائه ليست مجرد قضية فساد إداري، بل هي محاكمة لحقبة سوداء عاثت في اقتصاد العراق دماراً وتخريباً. إن تفكيك معامل العراق ونهب ميزانياته لن يمر بمرور الزمن، وسقوط هذه الإمبراطورية العائلية هو النتيجة الحتمية لكل من تجرأ على سرقة قوت الشعب وظن أن نفوذه سيحميه من مقصلة العدالة.















