عزيز جبر الساعدي
في سياحة لبعض مقاطع الشاعر المبدع جواد الحطاب
( جذع نخلة عائم..)
تداعيات في مجسات المشاعر الإنسانية العميقة والتأمل الفلسفي الذي يحدد موقف المحبين..
فيقول في نهاية القصيدة..
أعرف .. ستمرّ بي صديقاتك، وسيتضاحكنّ على (المجنون) الذي صار “حارسا شخصيا” لخيالك، الا أنت .. تمرّين أميرة، تضجّين أنوثة وجمالا، وفي غفلة من عيونهنّ تقتربين ( ليش تسوي بنفسك هيج يا عيني .. منو يستاهل) ..
يومها، ستقف الحياة للحظة، ثم سيعبّر البركان – الذي كان نائما طيلة سنوات هجرك – يعبّر عن نفسه ..
هل تذكرين فيلم (زوربا) ؟!!
انطوني كوين وهو يرقص عارياعلى الشاطئ؟
سأفعل مثله، سأنزع القبوط.. وأضع فوقه قميصي، وفانيلتي، وحيائي .. وبكل (خبال) سنوات فراقنا سأرقص ، صيحات هندي أحمر، وقفزات صوفيّ تاق لـ”النيرفانا”، وفرح غجري، وهستيريا نمر مجروح، وشهيق رجل يغرق ..
أقسم لك مثل بدويّ يكذب للمرة الأولى، بأنني – يا ولية قلبي- أعقل من كل مجانين الكون .. ولكن ما الذي أفعله اذا كان حبك “جذرا”، والنسيان ليس “أرضا” كي أنبت فيها ؟!!
النسيان موجة، وأنا من دونك : جذع نخلة عائم .
حين نقرأ لجواد الحطاب، لا نقرأ كلمات فحسب، بل نتلمس وجدانًا متقدًا، ونغوص في طبقات شعور مركّب يتقاطع فيه العشق بالفقد، والفلسفة بالشاعرية، والجنون بالحكمة.
في مقطع من قصيدته جذع نخلة عائم”، يُجسّد الحطاب تجربة إنسانية عميقة، لا بوصفها مجرد حكاية حب، بل كرحلة وجودية لرجل لم يعد يملك من اليقين سوى مشاعره المشتعلة، وانحيازه التام لذاكرة امرأة ما زالت تمرّ في خياله أميرة، رغم مرور الزمن وتغير المعالم.
يستحضر صورة زوربا، لا كشخصية سينمائية بل كرمز لتحرر الذات حين يبلغ الحزن والاحتراق مداه. رقص زوربا هنا يتحول إلى طقس تطهيري، إلى احتجاج جسدي على فراق طويل، إلى تفريغ لجراح متراكمة.
ثم تتفجر المفارقة الوجودية الحادة في قوله:
“حبك جذراً، والنسيان ليس أرضاً كي أنبت فيها”
تشبيه ساحر، يصوّر كيف يتحول الحب إلى أصل، والنسيان إلى عجز طبيعي، إذ لا يمكن أن يُزرع النسيان في أرض ليست صالحة لغير الذكرى.
وينتهي المشهد بجماله المؤلم في قوله:
النسيان موجة، وأنا من دونك: جذع نخلة عائم،
يا لها من استعارة متقنة، تختصر تيه الإنسان بعد الفقد؛ قطعة من الحياة مقطوعة الجذور، تتقاذفها أمواج الشعور.
الحطاب لا يكتب الحب، بل يعيشه كقدر، يضعه تحت المجهر، ويمرّره من مصفاة الشعر، ليمنحنا تجربة وجدانية نادرة في عمقها وصدقها.
قصيدة لا تُقرأ، بل تُعاش.
شكرا لجواد الحطاب واسف انني اقتطعت من جذع نخلة عائم هذه المقاطع..تحياتي
عزيز جبر الساعدي
















