بقلم : حسين عصام
في السياسة، ليس كل من جلس على الكرسي يُسمّى رجل دولة، وليس كل من غادر السلطة خرج من المعادلة. بعض الأسماء تبقى، لأنها ببساطة الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه. نوري كامل المالكي واحد من تلك الأسماء التي شكّلت ثقل الدولة، لا زينة المشهد.
حين كانت الدنيا خيمة… وكان العراق بحاجة إلى عمود
جاء نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء والعراق لم يكن دولة مستقرة، بل ساحة صراع مفتوحة. الإرهاب يضرب، القرار مشتّت، والمؤسسات هشة. كانت “الدنيا خيمة”، وكان العراق بحاجة إلى من يثبت أعمدتها لا من يلوّح بشعارات. في تلك اللحظة، تقدّم المالكي لا بوصفه سياسيًا تقليديًا، بل كمن يتحمّل مسؤولية دولة كاملة.
الحكم بعقل الدولة لا بعقل التسويات
خلال سنوات حكمه، أدار المالكي الدولة بمنطق واضح:
الدولة أولًا، وهيبتها فوق الجميع.
لم يكن رجل مجاملات، ولا أسير توافقات فارغة. قراراته كانت ثقيلة، لكنها ضرورية. أعاد الاعتبار للسلطة التنفيذية، وثبّت مركز القرار، ومنع تفكك الدولة في مرحلة كان التفكك فيها خيارًا مطروحًا على الطاولة.
إسقاط الإرهاب… عندما يكون القرار سياسيًا
الإرهاب لا يُهزم بالبيانات، بل بالقرار. وفي عهد المالكي، كان القرار موجودًا. المعركة ضد الإرهاب لم تكن سهلة ولا شعبية أحيانًا، لكنها أعادت للدولة هيبتها، ورسّخت مبدأ أن العراق ليس ساحة مستباحة. ما تحقق لاحقًا من أمن واستقرار نسبي، لم يكن وليد لحظته، بل نتيجة مسار بدأ بقرار واضح في تلك المرحلة.
الاستقرار يصنع الخير
حين استقر الأمن، بدأت الدولة تعمل.
انتظمت الرواتب، تحرّكت المشاريع، وعادت مؤسسات الدولة إلى ممارسة دورها الطبيعي. لم يكن المشهد مثاليًا، لكنه كان أفضل مما سبقه، وأوضح مما لحقه. الخير لا يأتي بالشعارات، بل بالإدارة، والمالكي كان رجل إدارة في زمن الفوضى.
بعد خروجه… من خسر أكثر؟
بخروج المالكي من رئاسة الوزراء، لم يخرج الاستقرار وحده، بل خرج معه الحسم. تعددت مراكز القرار، تراجعت الخدمات، وعادت الأزمات تتراكم. هنا بدأ الشارع والسياسة معًا بإعادة قراءة المرحلة، لا بعاطفة، بل بلغة النتائج:
من كان يعرف كيف يدير الدولة… لم يعد موجودًا.
اليوم… لماذا المالكي؟
الحديث عن عودة نوري المالكي ليس عودة إلى الماضي، بل استدعاء للخبرة. العراق اليوم يمر بمرحلة لا تحتمل التجارب، ولا الوجوه الطرية. يحتاج إلى شخصية تعرف دهاليز الحكم، وتفهم توازنات الداخل والخارج، وتملك الجرأة على اتخاذ القرار مهما كانت كلفته.
نوري المالكي ليس خيارًا عاديًا في سوق السياسة،
هو الرقم الصعب،
وهو سترين الدنيا حين كانت خيمة،
وهو أحد آخر رجال الدولة الذين حكموا العراق بعقل السلطة لا بردّة الفعل.
وفي زمن الفوضى المقنّعة، قد يكون عودة رجل الدولة… هي عين الحكمة.















