في حفل بهيج اقامة دائرة السينما والمسرح بالتعاون مع نقابة الفنانين وبجهود استثنائية من قبل د.جبار جودي مدير دائرة السينما والمسرح ونقيب الفنانين الاحتفاء بنخبة عالية المستوى في المسرح العراقي تثمينا لجهودهم وفعلهم الإبداعي بمناسبة يوم المسرح العالمي..وكان من ضمن المكرمين استاذ الأجيال الفنان الدكتور عزيز جبر الساعدي دردش معه رئيس القسم الثقافي في كواليس المهرجان الجميل..
دردشة مع الدكتور عزيز جبر الساعدي خلف كواليس التكريم
في لحظة وفاء نادرة، وبين أجواء احتفالية تليق بتاريخ طويل من العطاء، كان اللقاء مع الفنان الرائد الدكتور عزيز جبر الساعدي أشبه بفتح نافذة على ذاكرة المسرح العراقي، بكل ما فيها من شغف وتجربة وتحديات. لم يكن الحديث مجرد استعادة لمسيرة فنية، بل كان أقرب إلى تأمل فكري عميق في معنى المسرح ودوره في حياة الإنسان.
خلف كواليس التكريم، بدا الدكتور عزيز جبر هادئاً، متأملاً، كمن يرى في هذا الاحتفاء محطة من محطات الطريق، لا نهايته. وحين بدأ الحديث، اتجه مباشرة إلى جوهر الفن، مؤكداً أن المسرح لا يمكن أن يُفهم بمعزل عن بقية الفنون. فالتشكيل والموسيقى والسينما، جميعها تتداخل في بنية العرض المسرحي، لتصنع تجربة فريدة، معقدة، وغنية بالدلالات. لذلك يرى أن المسرح هو الأصعب بين الفنون، لأنه يحتويها جميعاً ويعيد تشكيلها في لحظة إبداعية واحدة.
وفي حديثه عن علاقة الفن بالواقع، أشار إلى أن تطور الأشكال الفنية ليس معزولاً عن التحولات المادية والحضارية التي يعيشها الإنسان. فالفكر، كما يقول، انعكاس لهذه التحولات، والمسرح بدوره يتغير تبعاً لها، في صيرورة مستمرة تعكس حركة المجتمع وتبدلاته. ومن هنا، فإن أي محاولة لتجديد المسرح لا بد أن تنطلق من فهم عميق لهذه العلاقة الجدلية بين الفن والواقع.
وعند التطرق إلى التراث، بدا واضحاً إيمانه الكبير بأهميته كمصدر إبداعي ثري، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة التعامل معه بوعي وقدرة على إعادة صياغته بما ينسجم مع روح العصر. فليست كل العودة إلى التراث منتجة، بل إن القيمة الحقيقية تكمن في كيفية توظيفه جمالياً وفكرياً. واستشهد بتجارب مسرحية عراقية بارزة نجحت في هذا المسار، مؤكداً أن المسرح العراقي يمتلك جذوراً قادرة على الإبداع إذا ما أُحسن استثمارها.
أما عن واقع المسرح اليوم، فقد تحدث بصراحة لا تخلو من ألم، مشيراً إلى أن المسرح “يمرض لكنه لا يموت”، وأن غياب التخطيط والدعم المؤسسي يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجهه. ودعا إلى تبني مشروع استراتيجي طويل الأمد، تشترك فيه المؤسسات المعنية، لإعادة بناء الحركة المسرحية على أسس علمية وثقافية راسخة.
وحين سُئل عن الإخراج المسرحي، ابتسم قائلاً: “هو فن خلق العلاقات”، في إشارة إلى تلك الشبكة المعقدة من التفاعلات بين النص والممثل والفضاء والجمهور. فالإخراج، في نظره، ليس حركة عشوائية، بل بناء دقيق تتكامل فيه العناصر ضمن رؤية جمالية وفكرية واضحة.
وفي سياق تجربته الإخراجية، أكد على أهمية الدور التربوي للفن، مشدداً على أن المسرح لا يكتفي بالإمتاع، بل يسعى إلى بناء الذائقة الجمالية وتحفيز التفكير. فالمخرج، كما يرى، مطالب بأن يوازن بين المتعة والمعنى، وأن يقدّم ما يحتاجه المجتمع من قيم دون أن يفقد حسه الفني.
وفي ختام هذه الدردشة، كان الحديث عن الطلبة حاضراً بروح الأب والمعلم. عبّر الدكتور عزيز جبر عن فخره الكبير بما حققه طلبته، معتبراً أنهم الامتداد الحقيقي لتجربته، وأن نجاحهم يمثل تتويجاً لسنوات من العمل والعطاء. وبكلمات صادقة، وجّه شكره لهم، مؤكداً أنه كان جسراً لعبورهم نحو الإبداع.
هكذا، لم يكن اللقاء مجرد حوار عابر، بل شهادة حية على تجربة فنية وإنسانية غنية، تؤمن بأن المسرح، رغم كل ما يمر به، سيظل فعلاً نابضاً بالحياة، قادراً على أن يعيد اكتشاف نفسه مع كل جيل جديد.















