التقشف والعبث الاقتصادي في العراق المليارات للمناصب والفقر للمواطن فمن يحاسب المسؤولين
بقلم : محمد العيداني
وسط تصاعد أزمة ارتفاع الدولار واشتعال أسعار المواد الغذائية والأدوية والخدمات الأساسية، يواجه المواطن العراقي ضغوطاً اقتصادية متزايدة في وقت تتصاعد فيه التساؤلات بشأن السياسات الحكومية وأولويات الإنفاق العام، وسط حديث عن استحداث وزارتين جديدتين بكلفة تتجاوز سبعة تريليونات دينار، ومخاوف من تأخير صرف رواتب الموظفين إلى خمسة وأربعين يوماً، وهي معلومات تستوجب توضيحاً رسمياً بشأن صحتها.
إن المفارقة الصادمة تكمن في الحديث عن التقشف وشح السيولة المالية، بينما تطرح مشاريع لتوسيع المؤسسات الحكومية وزيادة المناصب والنفقات فهل أصبحت خزينة الدولة عاجزة عن تأمين رواتب الموظفين، لكنها قادرة على تحمل مليارات إضافية وأي إصلاح اقتصادي هذا الذي يبدأ من جيوب الفقراء ولا يقترب من امتيازات أصحاب السلطة.
إن التصريحات المتداولة والمنسوبة إلى رئيس الوزراء علي الزيدي بشأن الرواتب، إن ثبتت صحتها، تثير تساؤلات خطيرة حول مستقبل الأمن المعيشي للعراقيين فالراتب حق قانوني وليس منة من الحكومة، والمواطن ليس مسؤولاً عن سوء التخطيط المالي أو تضخم الإنفاق أو الصراعات السياسية.
أما مجلس النواب العراقي، الذي يفترض أن يكون صوت الشعب وحارس المال العام، فأين دوره الرقابي من ارتفاع الدولار وتدهور القدرة الشرائية وأين مواقفه الحازمة من القرارات التي قد تزيد معاناة الموظفين والمتقاعدين والكسبة وأصحاب الدخل المحدود إن غياب المساءلة الفاعلة يفتح الباب أمام المزيد من الأزمات ويفقد المواطن ثقته بالمؤسسات.
والأكثر إيلاماً أن العراق ليس بلداً فقيراً بالموارد، بل يمتلك ثروات نفطية وموازنات مالية ضخمة، ومع ذلك يبقى المواطن الحلقة الأضعف في المعادلة الاقتصادية، يواجه ارتفاع الأسعار والإيجارات وفواتير الكهرباء والماء والعلاج، بينما تظل امتيازات كبار المسؤولين موضع تساؤل بشأن عدالتها وحجمها.
فمن الذي يتضرر من ارتفاع الدولار هل هو المسؤول الذي يتقاضى راتباً مرتفعاً ويتمتع بالمخصصات والامتيازات، أم المواطن الذي يقف عاجزاً أمام أسعار السوق ويحسب ما تبقى من راتبه لإطعام أسرته.
إن التقشف الحقيقي لا يعني التضييق على المواطنين أو المساس برواتبهم، وإنما يبدأ بمراجعة النفقات الحكومية، وتقليص الامتيازات غير المبررة، ومحاسبة الفاسدين، وإيقاف الهدر المالي، وإخضاع جميع مؤسسات الدولة للمساءلة والشفافية
وعلى الحكومة أن تدرك أن الشعب العراقي ليس مجرد أرقام في جداول الموازنة، ولا يمكن معالجة الأزمات الاقتصادية بالصمت أو الوعود أو تحميل المواطن وحده نتائج القرارات المالية فالاستقرار الاقتصادي لا يتحقق بإفقار الناس، وإنما بإدارة عادلة للثروات وحماية قوت المواطنين.
وأخيراً نقولها بوضوح إذا كان التقشف ضرورة وطنية، فليبدأ من أبواب المسؤولين وامتيازاتهم قبل أن يصل إلى رغيف خبز الفقير وإذا كانت الدولة تمتلك المليارات لتوسيع المناصب، فمن حق العراقيين أن يسألوا أين أموال الموازنة، ومن يحمي قوت الشعب من العبث الاقتصادي.
إن أخطر ما يواجه العراق ليس ارتفاع الدولار وحده، بل أن يتحول سوء الإدارة الاقتصادية إلى عبء دائم يدفع ثمنه المواطن، بينما يبقى المسؤول بعيداً عن تداعيات قراراته.















