الإمارات تحمي أطفالها فماذا عن العراق
مصطفى طارق الدليمي /زاوية “أرشيف وطن”
قبل أن تبدأ الدول بحظر الأطفال من دخول الملاعب أو قيادة السيارات وضعت لهم حدوداً في العالم الرقمي لأنها أدركت أن الشاشة قد تكون أكثر تأثيراً من الشارع وأن الهاتف قد يصبح المربي الخفي الذي يرافق الطفل لساعات أطول من والديه هذا الإدراك ماعاد مجرد نقاش أكاديمي انما تحول إلى تشريعات فقد اتجهت دول مثل الإمارات وفرنسا واليونان إلى فرض قيود على استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي أو تشديد الرقابة عليها انطلاقًا من قناعة مفادها أن حرية الوصول إلى المنصات لا تعني ترك الأجيال الصغيرة فريسة للخوارزميات والإدمان الرقمي
في العراق تبدو الصورة مختلفة تماماً فالطفل الذي لم يبلغ الخامسة عشرة يمتلك في كثير من الأحيان أكثر من حساب على منصات التواصل ويقضي ساعات طويلة بين مقاطع الفيديو والبثوث المباشرة والألعاب والتحديات الرقمية دون رقابة أسرية كافية أو إطار قانوني ينظم هذا الاستخدام لم تعد الهواتف الذكية وسيلة ترفيه انما أصبحت جزءًا من الحياة اليومية حتى داخل المدارس والمناسبات العائلية
المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا نفسها فالعالم كله يتجه نحو الرقمنة وإنما في غياب الضوابط فالطفل العراقي يدخل فضاءً مفتوحاً يختلط فيه المفيد بالمضلل والتثقيف بالإشاعة والمعرفة بالمحتوى الهابط دون أن يمتلك القدرة الكافية على التمييز أو الحماية
لقد أدركت دول عديدة أن بناء الإنسان يبدأ بحماية الأطفال دون السن القانوني ففي الإمارات يجري التعامل مع البيئة الرقمية باعتبارها جزءًا من الأمن المجتمعي بينما سعت فرنسا إلى فرض قيود عمرية على استخدام بعض المنصات لحماية القاصرين واتخذت اليونان خطوات مشابهة للحد من التأثيرات السلبية للإدمان الرقمي على الأطفال والمراهقين الرسالة التي تحملها هذه الدول أن التكنولوجيا ينبغي أن تخدم الإنسان لا أن تقضي على طفولته
أما في العراق فما زال النقاش ينحصر غالباً في سرعة الإنترنت أو حجب التطبيقات عند الأزمات بينما يغيب الحديث عن بناء ثقافة رقمية تحمي الأجيال القادمة فلا توجد حملات توعية واسعة ولا برامج تربوية متكاملة ولا تشريعات واضحة تحدد مسؤولية المنصات أو أولياء الأمور أو المؤسسات التعليمية
ولعل الأخطر أن كثيراً من الأطفال أصبحوا يصنعون محتوى سعياً وراء الشهرة وعدد المشاهدات في وقت تتحول فيه الطفولة إلى سلعة رقمية ويقاس النجاح بعدد الإعجابات لا بعدد الكتب المقروءة أو المهارات المكتسبة
وهنا يكمن التحدي الحقيقي لأن المجتمع لا يخسر وقت أطفاله فحسب انما يخسر أيضًا طريقة تفكيرهم وقيمهم ومستقبلهم
العراق ليس بحاجة إلى منع التكنولوجيا فهو لا يستطيع أن يعزل نفسه عن العالم لكنه بحاجة إلى رؤية وطنية للاستخدام الآمن لوسائل التواصل الاجتماعي تبدأ من الأسرة مرورًا بالمدرسة وانتهاءً بالتشريعات التي توازن بين حرية الاستخدام وحماية القاصرين
لقد سبقتنا دول في التعامل مع هذه القضية لأنها قرأت المستقبل مبكراً أما نحن فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس السؤال الحقيقي: كم ساعة يقضي أطفالنا على وسائل التواصل الاجتماعي؟
بل السؤال الأهم: أي وعيٍ نبنيه عندما نترك الخوارزميات تشكل عقول أبنائنا قبل أن تشكلها الأسرة والمدرسة؟















