حشمت رحيم الربيعي
سائق ميساني برقم إجازة السوق (10) وذاكرةٌ من زمن العمارة الجميل
علي مفتاح العبادي / ميسان
حين كانت السيارات في ميسان قليلة والطرقات أطول ومهنة القيادة تُمارس وسط مسؤولية كبيرة وثقة اجتماعية لا تُمنح إلا لأهل الأمانة برزت أسماء بقيت حاضرة في ذاكرة أبناء العمارة ومن بينها اسم المرحوم حشمت رحيم حسين الربيعي المعروف بـ(القريشي البلحاوي) أبو سليم أحد أقدم سائقي السيارات في محافظة ميسان
وُلد الراحل في مدينة العمارة منطقة السرية عام 1910 وكان من الشخصيات المعروفة في المدينة ومن سائقيها الأوائل وحمل إجازة سوق تحمل الرقم (10) وهو رقم يعكس قِدم ممارسته لمهنة القيادة في المحافظة
لم تكن القيادة بالنسبة إلى حشمت الربيعي مجرد مهنة بل كانت عنوانًا للثقة والانضباط إذ تشير الروايات المتداولة عنه إلى أنه حظي بتكريم من وزارة الداخلية مديرية المرور العامة في بغداد لعدم تسجيل أي مخالفة مرورية بحقه طوال سنوات عمله في هذه المهنة
وعمل الراحل على خطوط النقل بين بغداد والعمارة والبصرة والعمارة في زمن كانت فيه الرحلات بين المدن تتطلب صبرًا وخبرة ومعرفة دقيقة بالطرق
سائق الوصي وشخصيات لواء العمارة
وخلال العهد الملكي كان لحشمت الربيعي حضور في المناسبات الرسمية فعند زيارة الوصي إلى لواء العمارة كان يُكلّف بتحضير سيارته للمشاركة في تنقلاته داخل اللواء
ولم تقتصر الثقة به على الشخصيات الرسمية إذ كان عدد من شخصيات لواء العمارة وشيوخها يحرصون على إرسال عوائلهم برفقته في تنقلاتهم في صورة تعكس المكانة الاجتماعية التي حظي بها الرجل، والثقة الكبيرة بأمانته وحسن قيادته
بين الزراعة والري
ولم تتوقف مسيرته المهنية عند النقل فقد عمل أيضًا في دائرة الزراعة والإصلاح الزراعي ثم دائرة الري لاحقًا بصفة سائق أجير يومي وكان يتقاضى آنذاك 650 فلسًا يوميًا ويتنقل في مهامه بين العمارة والبصرة
وعاصر الراحل بدايات انتشار السيارات وتنوعها في المدينة وقاد عددًا من السيارات التي كانت معروفة في ذلك الزمن ومن بينها الدوج والشوفرليت.
سيارات العمارة وذاكرة المكان
ومن تفاصيل تلك الحقبة التي بقيت في ذاكرة أبناء العمارة ما يتعلق بمكان تجمع السيارات أو ما كان يُعرف ب(المعرض) والذي كان يقع بمحاذاة نهر دجلة في الموقع القريب من موقف السيارات حاليًا بالقرب من رأس السوق المسقوف
وكان المكان يجاور عددًا من المعالم والمحلات المعروفة آنذاك ومنها دكان المرحوم الحاج جبر الربيعي ومقهى سامي ومطعم كباب دويج لتشكل تلك المنطقة جزءًا من المشهد اليومي لمدينة العمارة في تلك السنوات
وعلى أيام المرحوم خلف أميلح كانت السيارات وسائقوها جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية في العمارة حيث كانت المواقف والتجمعات تشهد حركة مستمرة وتربط المدينة بمختلف المحافظات العراقية
رحيل السائق الذي حمل ذاكرة جيل
بعد مسيرة طويلة امتدت لعقود توفي المرحوم حشمت رحيم حسين الربيعي (القريشي البلحاوي) أبو سليم في 8 تشرين الثاني عام 1978 تاركًا وراءه سيرة رجل ارتبط اسمه بالسيارة والطريق والمدينة وبمرحلة مهمة من تاريخ النقل في ميسان
إن استذكار أمثال هؤلاء الرجال ليس مجرد حديث عن أشخاص رحلوا بل هو استعادة لصفحات من تاريخ العمارة حين كانت المهن تُبنى على السمعة والثقة تُكتسب عبر السنين وكان سائق السيارة يحمل مسؤولية الطريق وأمانة الناس وعوائلهم
رحم الله المرحوم حشمت رحيم حسين الربيعي وأسكنه فسيح جناته وحفظ ذاكرة العمارة ورجالها الذين صنعوا تفاصيلها وبقيت سيرهم حاضرة في وجدان أهلها















