*دولة القانون في العراق.. من النظرية السياسية إلى اختبار الدولة والعدالة*

phplove ll18 أكتوبر 2026آخر تحديث :
*دولة القانون في العراق.. من النظرية السياسية إلى اختبار الدولة والعدالة*

*دولة القانون في العراق.. من النظرية السياسية إلى اختبار الدولة والعدالة*

 

بقلم: أ.د. زمن حامد الحسناوي

 

بين طموح بناء الدولة ومعوقات الواقع السياسي، خاض السيد نوري المالكي تجربتين في الحكم سعى خلالهما إلى ترسيخ سلطة القانون، قبل أن تتحول هذه الفكرة إلى مشروع سياسي تمثّل في ائتلاف دولة القانون. غير أن التجربة العراقية تطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن الانتقال من شعار سيادة القانون إلى بناء دولة يخضع فيها الجميع للقانون دون استثناء؟

لا تُقاس قوة الدولة بقدرتها على إصدار القوانين أو بحجم مؤسساتها الأمنية، بل بمدى قدرتها على تطبيق القانون على الجميع، وحماية الحقوق والحريات، وضمان استقلال القضاء، ومنع استغلال السلطة لتحقيق المصالح الشخصية أو الحزبية. فدولة القانون تعني خضوع الحاكم والمحكوم للدستور، واحتكام الجميع إلى مؤسسات قضائية مستقلة، بما يضمن العدالة والمساواة أمام القانون.

 

بعد عام 2003، واجه العراق تحديات أمنية ومؤسسية معقدة، تمثلت في انتشار الجماعات المسلحة، وضعف مؤسسات إنفاذ القانون، وتداخل الولاءات السياسية والحزبية مع مؤسسات الدولة. لذلك أصبحت استعادة هيبة الدولة مطلباً أساسياً، لكن تحقيقه كان يتطلب أكثر من القوة التنفيذية. إذ يحتاج إلى مؤسسات مستقرة، وإدارة كفوءة، وقضاء مستقل، وإرادة سياسية تجعل القانون مرجعية تحكم الجميع.

 

وعندما تولى المالكي رئاسة الوزراء عام 2006، كان العراق يواجه تصاعد العنف الطائفي واتساع نفوذ الجماعات المسلحة. وفي ظل هذه الظروف، برزت فكرة فرض القانون بوصفها مدخلاً لاستعادة سلطة الدولة. وشكّلت عملية “صولة الفرسان” في البصرة عام 2008 محطة بارزة في محاولة الحكومة مواجهة الجماعات المسلحة وتوسيع سلطة المؤسسات الرسمية.

وقد عززت هذه المرحلة حضور المالكي بوصفه رئيساً للوزراء يسعى إلى استعادة هيبة الدولة. غير أن التحدي لم يكن أمنياً فحسب، بل تمثل في تحويل التحسن الأمني إلى نظام مؤسسي يضمن تطبيق القانون بصورة متساوية، ويخضع الأجهزة الأمنية للرقابة، ويمنع التدخلات السياسية في عمل المؤسسات.

 

أما الولاية الثانية، بين عامي 2010 و2014، فقد شهدت تعقيدات سياسية ودستورية أكبر، نتيجة الخلافات بشأن توزيع السلطات، والتنافس بين القوى السياسية، والجدل حول استقلال المؤسسات وحدود صلاحيات السلطة التنفيذية.

وفي انتخابات عام 2010، جاءت القائمة العراقية بزعامة إياد علاوي في المرتبة الأولى من حيث عدد المقاعد، فيما حل ائتلاف دولة القانون ثانياً. وتمكن المالكي لاحقاً من تشكيل الحكومة بعد تفاهمات سياسية، استناداً إلى تفسير المحكمة الاتحادية لمفهوم الكتلة النيابية الأكثر عدداً. وأظهرت هذه التجربة مدى تداخل التفسير الدستوري مع التنافس السياسي في العراق.

 

كما واجهت الحكومة انتقادات بشأن تركيز الصلاحيات التنفيذية وإدارة المؤسسات الأمنية والعلاقة مع الخصوم السياسيين، في حين دافع مؤيدوها عن ضرورة امتلاك السلطة التنفيذية صلاحيات فعالة لمواجهة التهديدات الأمنية. وهنا برز التحدي الأساسي: كيف يمكن التوفيق بين قوة الدولة في إنفاذ القانون وبين ضرورة إخضاع هذه القوة للرقابة الدستورية؟

 

فدولة القانون لا تعني أن تكون الحكومة قوية فحسب، بل أن تكون قوتها مقيدة بالدستور، وأن تخضع قراراتها للمساءلة والمراجعة القضائية، مع ضمان حقوق المواطنين والخصوم السياسيين على حد سواء.

 

وفي عام 2009، تحولت فكرة دولة القانون إلى إطار سياسي وانتخابي أوسع، تمثل في تشكيل ائتلاف دولة القانون، الذي سعى إلى استقطاب قوى وشخصيات متعددة وتقديم مشروع يقوم على بناء الدولة وتعزيز الأمن وترسيخ المؤسسات الرسمية.

 

لكن الانتقال من النظرية إلى الائتلاف السياسي لم ينهِ التحديات، فنجاح المشروع انتخابياً لا يعني بالضرورة نجاحه في تحقيق العدالة القانونية. فالمعيار الحقيقي يتمثل في استقلال القضاء، وفاعلية الرقابة، ومكافحة الفساد، وتكافؤ المواطنين أمام القانون، ومنع الإفلات من العقاب.

 

وقد واجه المشروع معوقات بنيوية، أبرزها المحاصصة السياسية، وتعدد مراكز القوة، وتداخل المصالح الحزبية مع إدارة الدولة، وضعف الثقة بالمؤسسات. كما أن تطبيق القانون في بيئة سياسية مستقطبة يظل معرضاً للانتقائية، حين تتأثر إجراءات المساءلة بموقع الشخص السياسي أو قوة الجهة التي ينتمي إليها.

 

لذلك، فإن التقييم الموضوعي لتجربة المالكي يقتضي التمييز بين الأهداف المعلنة والنتائج العملية. فقد احتلت استعادة سلطة الدولة موقعاً مركزياً في مشروعه، لكن التجربة أثارت أيضاً تساؤلات بشأن التوازن بين السلطات واستقلال المؤسسات. ولا يجوز تجاهل التحديات التي واجهتها الحكومة، كما لا يجوز اتخاذها مبرراً لتجاوز مسؤوليتها الدستورية.

 

إن بناء دولة القانون لا يتوقف على إرادة رئيس الوزراء وحده، بل يتطلب مؤسسات مستقلة، وقضاءً فاعلاً، ورقابة حقيقية، وإدارة قائمة على الكفاءة، وتوافقاً سياسياً على إخضاع الجميع للقواعد القانونية نفسها.

 

وفي المحصلة، فإن القيمة الحقيقية لمشروع دولة القانون تكمن في قدرته على تجاوز ارتباطه بالأشخاص والقيادات والتحول إلى قاعدة دستورية دائمة. فالدولة لا تصبح دولة قانون لمجرد أن تتبنى حكومتها هذا الشعار، بل عندما يصبح القانون قادراً على تقييد السلطة ومحاسبتها، وحماية المواطن دون تمييز. فالعدالة ليست امتيازاً تمنحه السياسة، وإنما حق دستوري مكفول لجميع العراقيين.

 

أ.د. زمن حامد الحسناوي

أستاذ القانون العام/كلية القانون-الجامعة العراقية

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

الاخبار العاجلة