قصة قصيرة جدا للراحل رسمي الهيتي رحمه الله..

phplove ll20 يونيو 2026آخر تحديث :
قصة قصيرة جدا للراحل رسمي الهيتي رحمه الله..

قصة قصيرة جدا للراحل رسمي الهيتي رحمه الله..

.بقلم ،،د.عزيز جبرالساعدي، ،

(( اليساري))

لان الشاي لم يكن حلواً بما فيه الكفاية .فقد طلب من النادل ان يجلب له قليلا من السكر . أجابه النادل أن في قدح الشاي ما يكفي من السكر الا أنه لايحسن تحريك ملعقته ؟ : وكيف احركها ؟ : من اليمين الى اليسار .قال النادل

أذعن الزبون لوصية النادل . فوجد ان الشاي قد ؟اضحى أكثر حلاوة من ذي قبل ..حين غادر الزبون المقهى استدار ناحية اليسار برغم وجهته غير ذلك ..وكانت دهشته كبيرة عندما وجد ؟ان هناك اكداس من السكر على الارصفة وهي تباع بسعر متدن يقارب سعر القدح من الشاي في تلك المقهى ؟ توقف قليلا وعلى شفتيه ما يشبه الابتسامة وتسائل مع نفسه ..اذا كان قد دفع سعر ذلك القدح الذي شربه من الشاي ؟؟؟

 

قراءة في قصة “اليساري” بقلم: د. عزيز جبر الساعدي

في قصته القصيرة جداً “اليساري”، ينجح الراحل رسمي الهيتي في بناء نص رمزي مكثف، يجعل من قدح الشاي مساحةً للتأمل في طبيعة الأفكار التي تحكم الإنسان وتوجه خياراته.

تبدأ الحكاية بموقف اعتيادي؛ زبون يشكو من أن الشاي ليس حلواً بما يكفي، فيطلب المزيد من السكر. لكن النادل يجيبه بأن المشكلة ليست في كمية السكر، بل في طريقة تحريك الملعقة. ومن هنا تبدأ اللعبة السردية الذكية، إذ لا يصبح “السكر” مادةً لتحلية الشاي فحسب، بل يتحول إلى رمز للحقيقة أو القناعة أو الثروة التي قد تكون موجودة أمام الإنسان لكنه لا يحسن الوصول إليها.

حين يطلب النادل من الزبون أن يحرك الملعقة “من اليمين إلى اليسار”، يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد توجيه عابر، غير أن عنوان القصة “اليساري” يكشف البعد الرمزي للنص. فاليسار هنا ليس اتجاهاً مكانياً فحسب، بل يحيل إلى منظومة فكرية وسياسية ارتبطت تاريخياً بالعدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة والانحياز للفئات الفقيرة.

المفارقة تتعمق عندما يخرج الزبون من المقهى فيدور تلقائياً نحو اليسار، ليكتشف أكوام السكر معروضة بأسعار زهيدة. هنا ينتقل النص من فضاء المقهى إلى فضاء المجتمع، ومن الفرد إلى النظام الاقتصادي كله. فالسكر الذي كان يُظن نادراً أو مكلفاً يظهر متوافراً بكثرة، مما يدفع الشخصية إلى التساؤل المرير: إذا كان السكر متاحاً بهذا القدر، فلماذا دفع ثمن قدح الشاي كما لو كان سلعة نادرة؟

إن السؤال الأخير هو قلب القصة النابض، لأنه يفضح آليات التضليل التي تجعل الإنسان يدفع أثماناً مرتفعة لأشياء قد تكون متاحة للجميع. وهو سؤال يتجاوز الشاي والسكر ليطال السياسة والاقتصاد والثقافة وحتى صناعة الوعي.

لقد استخدم رسمي الهيتي السخرية بوصفها أداة نقدية حادة؛ فالنادل يبدو وكأنه مرشد فكري أكثر منه عاملاً في مقهى، بينما يتحول الزبون إلى نموذج للإنسان الذي يكتشف متأخراً أن كثيراً من قناعاته تشكلت بفعل التوجيه لا بفعل المعرفة المباشرة.

إن جمال هذه القصة يكمن في أنها لا تقدم حكماً نهائياً، بل تترك القارئ أمام شبكة من الأسئلة: هل تتغير الأشياء فعلاً عندما نغيّر زاوية النظر إليها؟ وهل المشكلة في الواقع أم في طريقة تعاملنا معه؟ وهل كانت حلاوة الشاي نتيجة تحريك الملعقة، أم نتيجة الإيحاء النفسي بأن اليسار يملك وصفة مختلفة للحياة؟

هكذا يبرهن رسمي الهيتي، رحمه الله، أن القصة القصيرة جداً ليست فناً للحكاية المختصرة فحسب، بل فناً لصناعة الدهشة وإثارة الأسئلة الكبرى بأقل عدد ممكن من الكلمات. وفي “اليساري” تتجسد هذه القدرة بوضوح، حيث يتحول قدح شاي صغير إلى مرآة تعكس علاقة الإنسان بالأفكار والسلطة والاقتصاد، وتدعوه إلى مراجعة ما اعتاد أن يراه حقيقةً ثابتة.

د.عزيزجبر الساعدي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة