صِنوانُ الروحِ ومرايا الغياب… حين يبوحُ عبدالأمير علوان حسون بأسرارِ القلب

phplove ll20 أكتوبر 2026آخر تحديث :
صِنوانُ الروحِ ومرايا الغياب… حين يبوحُ عبدالأمير علوان حسون بأسرارِ القلب

صِنوانُ الروحِ ومرايا الغياب… حين يبوحُ عبدالأمير علوان حسون بأسرارِ القلب

 

قراءة أدبية _ سمير السعد

 

يمتلك عبدالأمير علوان حسون تلك الموهبة التي تجعل القصيدة أقرب إلى اعترافٍ يهمس به القلب حين تضيق به منافذ الكلام. شاعرٌ بغداديّ الملامح والروح، شرب من دجلة صفاءه، ومن أزقة بغداد ألفة التفاصيل ودفءَ الحكايات، فاجتمعت في تجربته رهافة الشاعر ودقة المهندس، وانعكس هذا التآلف في نسيج لغويّ يوازن بين إحكام العبارة وحرارة الشعور. لديه ذائقة تلتقط من التجربة الإنسانية لحظتها الأكثر شفافية، ثم تصوغها بإيقاع يترك في النفس رجعاً طويلاً .. وفي قصيدته “صِنوان ” يفتح لنا باباً على علاقة تتنازعها الرغبة في القرب ومحاولات النجاة، حيث يغدو الحب امتحاناً للذات ويصبح الغياب حضوراً أشد وطأة من اللقاء.

 

“لِماذا …؟ كلّما أغمضتُ عيني

أراكَ تحوّلُ … ما بيني وبيني “.

يستهل الشاعر قصيدته بسؤال ينهض من حيرة الروح، ثم يضعنا أمام مفارقة نفسية دقيقة: إغماض العين، الذي يُفترض أن يمنح الإنسان فسحة من الانفصال عن العالم، يفتح باب الرؤية الداخلية على اتساعه. المحبوب يتسلل إلى المسافة الفاصلة بين الشاعر ونفسه، فيعيد تشكيل حدود الأنا، حتى يبدو اللقاء به نوعاً من فقدان المسافة الآمنة. إن عبارة ” ما بيني وبيني ” تمنح النص عمقه الأول ، فالصراع يتجاوز طرفين إلى ذاتٍ تتعثر في علاقتها بمرآتها الداخلية.

 

” أراكَ تغيبُ .. لكن دون جدوى

فاسكنّي بناركَ … أو أقلني “.

هنا تبلغ المفارقة ذروتها حين يصبح الغياب فعلاً عاجزاً عن تحرير العاشق من محبوبه. ويأتي الطلب محمّلاً بتناقض شفيف: السكن في النار أو الإعفاء من هذا العذاب. إن الشاعر يضعنا أمام قلب يفضّل الألم المعروف على فراغٍ لا يستطيع احتماله، وكأن نار المحبوب تمنح الوجع معنى، فيما يتركه الغياب بلا تفسير. هنا تتجلى جرأة التجربة العاطفية ، إذ تتحول الاستعارة من زينة لغوية إلى ضرورة نفسية تكشف مقدار التعلق.

 

” فمن سكنوا بها .. خرجوا جميعاً

وأنتَ الآنَ … تبحثُ فيكَ عنّي “.

تتسع الرؤية من التجربة الشخصية إلى تأملٍ في طبيعة التعلق الإنساني. فالذين سكنوا موضع القلب غادروا، أما هذا المحبوب فيواصل البحث عن الشاعر داخل ذاته. صورة لافتة تقلب اتجاه العلاقة، وتجعل المحبوب مسكوناً بمن أحب، فاقداً شيئاً من تماسكه أمام أثر الآخر. ويمنح الفعل “تبحث ” الصورة حركتها، بينما يعمّق الضمير ” فيك ” دلالتها، فالحضور العاطفي صار جزءاً من تكوين المحبوب، حتى غدا البحث عن الآخر بحثًا عن الذات أيضًا.

 

” وداعًا قلتُ … بيدَ لديكَ قلبي

وقد طوّعتَهُ … إنْ لا يُطعني “.

يتجسد الصراع هنا في صورة قلبٍ انفلت من سلطة صاحبه. يقول الشاعر ” وداعاً “. غير أن الكلمة تظل عاجزة عن تنفيذ قرارها، لأن القلب صار تحت تأثير إرادة المحبوب. وفي هذا التناقض بين القول والقدرة تنكشف هشاشة الإنسان حين تتقدم العاطفة على حكم العقل. وتبدو عبارة “إن لا يطعني ” ذروة الاعتراف ، فالشاعر يراقب نفسه كما لو كان يتأمل كائناً آخر، عصيّاً على الأوامر، مستعصياً على الانضباط.

 

“أحاول أنْ …! ولكن لستُ أُقوى

فعلّمني البكاءَ … لكي أُغنّي “.

يا لها من مفارقة تنتمي إلى صميم الشعر! فالبكاء، الذي اعتدنا أن نراه نهاية القدرة على الاحتمال، يتحول هنا إلى درسٍ في الغناء. إن الشاعر يبحث عن صيغة فنية تمنح ألمه صوتاً ، وتحوّل الانكسار إلى طاقة تعبير. ومن هذا المنظور، تغدو القصيدة نفسها ثمرةً لذلك التعليم الوجداني ، فالشاعر الذي يعجز عن الانفصال عن جرحه يستطيع أن يمنحه إيقاعاً وصورةً وكلمات. تلك إحدى فضائل الكتابة الصادقة: أن تستخرج من الوجع جمالاً يليق بإنسانية التجربة.

 

” فكم أُضنيتُ لكن لستُ أشكو

أأشكو منك .. أم أشكوكَ منّي “.

هنا يبلغ الوعي العاطفي درجة أكثر نضجاً فالشاعر يتردد أمام جهة الشكوى، بعدما تداخل أثر المحبوب مع مسؤوليته عن استمرار التعلق. والسؤال المزدوج يكشف عن بصيرة نفسية ، إذ يصعب فصل ما يصنعه الآخر فينا عمّا نسمح له بالإقامة في أعماقنا. ثم يأتي طلب إحصاء ما تبقى وما جناه الطرفان، فيمنح العلاقة هيئة حسابٍ أخير، كأن الشاعر يريد استعادة النظام وسط فوضى المشاعر. غير أن الحساب هنا مشحون بالحنين، فالأرقام لا تستطيع اختزال ما راكمته الروح من خسارات.

 

” وقل لي أيَّ شيءٍ ثم مُرني

إذا ما ارتدَّ طرفُكَ لن تجدني “.

تقترب القصيدة من عتبة القرار. يترك الشاعر للمحبوب حق الكلام والأمر، ثم يلوّح بغياب يراه الآخر متأخراً . وفي هذا المشهد تتجاور الرغبة في الاستجابة مع محاولة استرداد الكرامة الداخلية. أما الخاتمة ___

 

“وأطوي العمرَ دونكَ محضَ ذكرى

وما شُبّهتُ لي … لكن كأنّي “.

فتترك المعنى مفتوحاً على رجفة غير مكتملة. إن ” كأنّي ” تحمل أثر ذاتٍ لم تستطع أن تحسم صورتها بعد ، فالعمر يُطوى بالكلمات، بينما يظل القلب معلّقاً بما لم يُقَل. وهذه النهاية تمنح القارئ مساحةً لاستكمال التجربة من ذاكرته الخاصة.

 

اخيراً.. تتجلى موهبة عبدالأمير علوان حسون في قدرته على التقاط التناقضات الدقيقة التي تحكم العاطفة، وصياغتها بلغة رشيقة تتجاور فيها عذوبة الاعتراف وقلق السؤال. وتكشف القصيدة عن شاعرٍ ذواق، يأنس للموسيقى الداخلية، ويعرف كيف يجعل العبارة مساحةً للتأمل، والصورة نافذةً على ما تعجز النفس عن التصريح به. ومن روح بغداد التي تمنح التفاصيل ألفتها، إلى وجدانٍ يتقلب بين النار والحنين والرحيل، تتشكل تجربة تستحق الإصغاء ، لأن الشعر الأصيل لا يكتفي بأن يصف ما نشعر به، وإنما يمنح مشاعرنا أسماءً وصوراً لم نكن نعرف أننا نبحث عنها. هكذا يظل “صِنوان ” نصًّا يوقظ في القارئ حنينه الخاص، ويذكّره بأن بعض القلوب، حين تحب بصدق، لا تغادر الحكاية حتى بعد أن تعلن الرحيل..

 

(( صِنوان ))

 

لِماذا …؟ كلــّما أغَـمضتُ عيني

أراكَ تحـــــولُ … مابيني وبيني

أراكَ تَغيبُ ..لكن دوَن جدوى

فاسكنّي بِنارِكَ … أو أقـــلني

فمنْ سَكنوا بِها .. خرجوا جميعًا

وأَنتَ الآنَ … تَبحـثُ فيكَ عـنَّي

وداعًا قُـلتُ … بَـيْـدَ لَديكَ قـلبي

وَقـد طَـوَّعَتَهُ … إنْ لا يُـــطعني

أُحاول أنْ …! ولكن لستُ أُقوى

فَعلّمني البُــــكاءَ … لكي أُغـنّي

فكم أُضنيتُ لكن لستُ أشكو

أأشكو منكَ .. أم أشكوكَ منّي

تعالَ الآن نُحـصي … ما تَبـقّى

وَنُحصي ما جَنيتَ وما ستجني

وَقلْ لي أيَّ شيءٍ ثُمَ مُرني

إذا ما ارتدَّ طَـرفُكَ لن تجدني

وأطوِي العمرَ دونكَ مَحضَ ذكرى

وما شُبّهتُ لي … لكن كأنّي.

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

الاخبار العاجلة