ماذا يأكل العراقي؟
تحقيق في اللحوم المستوردة والمجهولة المصدر واللحوم الفاسدة وشبهة بيع لحوم الخنازير على أنها لحوم محلية .
تحقيق ـ ثائر الموسوي
قد يشتري العراقي كيلوغرام اللحم وهو يظن أنه يعرف ما سيدخل إلى مائدته لكن ماذا لو كان اللحم الذي دُفع ثمنه على أنه محلي ليس محليا ً وماذا لو كان المستورد قد دخل البلاد ثم اختفى مصدره بين المخازن والأسواق والمطاعم وماذا لو تحولت اللحوم المفرومة إلى مادة مجهولة الهوية لا يعرف المستهلك منها سوى اسم الكباب الذي سيقدم له السؤال هنا ليس عن سعر كيلوغرام اللحم السؤال عن صحة الإنسان وعن حقه في معرفة ما يأكل وعن الجهة التي يفترض أن تحميه .
من الحدود تبدأ الحكاية .
دخول اللحوم المستوردة إلى العراق يفترض أن يمر عبر منظومة من الإجراءات الرقابية التي تبدأ من المنافذ الحدودية ولا تنتهي عند المستهلك لكن ضبط شحنات من اللحوم المستوردة المنتهية الصلاحية عند محاولة إدخالها إلى البلاد يطرح سؤالاً مباشا ً عن حجم المحاولات التي تصل إلى الأسواق قبل اكتشافها فالكمية التي تضبط على الحدود يمكن منعها قبل أن تصل إلى المواطن أما الكمية التي تعبر الحدود ثم تدخل المخازن والأسواق والمطاعم فتتحول مسؤولية الرقابة فيها إلى سلسلة أطول وأكثر تعقيداً وهنا تظهر المشكلة الحقيقية :
من يعرف مصدر كل كيلوغرام من اللحم الموجود في السوق العراقي ؟
ومن يستطيع أن يحدد خلال دقائق أين دخلت الشحنة ومن استلمها وأين خُزنت ولمن بيعت ؟
إذا كانت الإجابة غير واضحة فإن المشكلة ليست في اللحوم وحدها بل في نظام التتبع نفسه .
كيف يتحول المستورد إلى محلي؟
في السوق العراقي يمكن أن يصبح السعر أحيانا ً أول مؤشر يثير السؤال حين يباع كيلوغرام من اللحم بسعر يقارب عشرة آلاف دينار بينما يصل سعر اللحم المحلي إلى نحو ضعف ذلك بحسب المنطقة والنوع والجودة فإن فارق السعر يدفع المستهلك إلى السؤال عن المصدر لكن السعر وحده لا يثبت أن اللحم مستورد ولا يثبت أنه فاسد ولا يثبت أنه مغشوش وهنا يأتي دور الوثيقة الفاتورة شهادة المنشأ مستندات الاستيراد بيانات الذبح نتائج الفحص وسلسلة التوريد إذا كان اللحم مستوردا ً فمن حق المستهلك أن يعرف أنه مستورد وإذا كان محلياً فمن حقه أن يعرف أنه محلي أما أن يدخل المنتج إلى السوق بهوية ثم يباع للمواطن بهوية أخرى فهذه قضية تحتاج إلى تحقيق ومساءلة لأنها تمس سلامة السوق وثقة المستهلك في آن واحد
عندما يصبح اللحم المفروم هو الحلقة الأكثر غموضا ً
اللحم المفروم أكثر تعقيدا ً من قطعة اللحم التي يستطيع المستهلك رؤيتها فالقطعة الكاملة يمكن أن تحمل معلومات عن مصدرها وتغليفها وتاريخ إنتاجها
أما اللحم المفروم فيمكن أن تختلط فيه قطع متعددة من مصادر مختلفة ولهذا تصبح عملية التتبع أكثر أهمية ويزداد الأمر حساسية عندما تنتقل اللحوم المفرومة إلى المطاعم والمطابخ التجارية والمواكب الدينية التي تقدم الطعام إلى أعداد كبيرة من الناس المواطن الذي يأكل وجبة في مطعم أو موكب لا يملك عادةً وسيلة لمعرفة نوع اللحم الذي دخل في إعدادها ولا يعرف أين ذُبح ولا متى ذُبح ولا أين خُزن ولا كيف نُقل ولا من فحصه ، وهنا لا يمكن تحميل المواطن مسؤولية اكتشاف ما عجزت الجهات المختصة عن اكتشافه .
قضية النجف تفتح الباب الأخطر
في أيلول 2026 ظهرت قضية في النجف أكثر خطورة من مجرد لحوم فاسدة فقد أعلنت السلطات ضبط لحوم خنزير بري غير صالحة للاستهلاك وبيعها على أنها لحم مواشي ٍ ثم أصدرت محكمة جنايات النجف حكما ً بالسجن عشر سنوات بحق المدان في القضية بعد ضبط 75 كيلوغراماً من هذه اللحوم هذه الواقعة ليست مجرد حادثة غذائية إنها تكشف كيف يمكن أن يجتمع الغش التجاري مع الخطر الصحي ومع تضليل المستهلك بشأن طبيعة المنتج الذي يشتريه والأهم أنها تجعل السؤال أكثر إلحاحاً :
كيف تمكن هذا اللحم من الوصول إلى المستهلك أصلًا؟ ومن أين جاء ؟ ومن اشتراه ؟ ومن جهزه ؟ ومن باعه ؟ وهل كانت هناك كميات أخرى وهل وصلت إلى مطاعم أو محال أخرى ؟
العامل الذي تحدث بعد فوات الأوان
في إحدى الروايات المتداولة حول قضية اللحوم المفرومة في النجف تحدث عامل في مجزرة عن أن اللحوم تعود إلى خنازير برية يتم اصطيادها وتشير الرواية إلى أن الخلاف بين العامل ومالك المجزرة سبق كشف القضية وإذا لم يكن العامل قد تكلم هنا تظهر المفارقة الأكثر إثارة للقلق لو لم يحدث خلاف بين العامل وصاحب المجزرة ولو لم تصل المعلومة إلى الجهات المختصة ولو لم تقع المداهمة فهل كان المستهلك سيعرف حقيقة ما يأكل؟
هذا سؤال افتراضي وليس حقيقة مثبتة لكنه سؤال مشروع للتحقيق في كفاءة الرقابة لأن النظام الرقابي القوي يجب ألا يعتمد على خلافات شخصية أو وشايات أو مصادفات حتى يكتشف المخالفات الخطيرة ، المفترض أن تكون هناك رقابة قادرة على اكتشافها قبل أن تصل إلى المواطن .
مئات الأطنان عند الحدود
المشكلة لا تتوقف عند النجف فقط ففي تموز 2026 أعلنت وكالة الاستخبارات والتحقيقات الاتحادية ضبط مئات الأطنان من اللحوم المستوردة المنتهية الصلاحية عند محاولة إدخالها إلى البلاد عبر أحد المنافذ الحدودية في البصرة هذه الواقعة تضع الحدود في قلب التحقيق إذا كانت شحنات بهذا الحجم يمكن أن تكون غير صالحة للاستهلاك وتحاول دخول البلاد فإن السؤال لا يتعلق بشحنة واحدة بل بقدرة منظومة الرقابة على منع المنتجات الخطرة من الوصول إلى السوق وهنا يجب أن نعرف كم شحنة تدخل سنويا ً ؟كم شحنة تخضع للفحص ؟ ما نوع الفحوص ؟ من يصدر الموافقات ؟ كيف تتم مطابقة الوثائق مع الحمولة الفعلية؟ وهل هناك نظام إلكتروني يسمح بتتبع الشحنة منذ لحظة دخولها وحتى وصولها إلى المستهلك ؟
اللحوم المجهولة المصدر ليست حادثة واحدة .
في محافظات عراقية مختلفة تتكرر حملات ضبط لحوم مجهولة المصدر أو غير صالحة للاستهلاك وفي الديوانية مثلا ً أُعلنت مؤخراً حملة رقابية أسفرت عن إتلاف كميات كبيرة من اللحوم مجهولة المصدر وإغلاق محال مخالفة مع سحب عينات وإرسالها إلى مختبر الصحة العامة للفحص وهنا تظهر نقطة مهمة ، وجود حملات ضبط يعني أن هناك جهات رقابية تعمل ، لكن كثرة الضبط لا تعني بالضرورة أن منظومة الرقابة فاشلة بالكامل كما أنها لا تعني أن كل ما في الأسواق خطر المشكلة التي تستحق التحقيق هي شيء أكثر تحديداً :
هل الرقابة وقائية أم أنها في كثير من الحالات لا تتحرك إلا بعد وصول المخالفة إلى السوق .
الفرق بين الاثنين كبير ؛
من يحمي صحة المواطن؟
المواطن لا يستطيع أن يفحص اللحم في منزله ولا يستطيع أن يعرف مصدر اللحم المفروم ولا يستطيع أن يتأكد من المستندات الموجودة لدى المورد ولا يستطيع أن يعرف إن كانت اللحوم دخلت البلاد بصورة قانونية ولا يستطيع أن يعرف ما إذا كانت الكمية محفوظة بدرجة الحرارة الصحيحة ولا يستطيع أن يعرف إن كان اللحم الذي قُدم له في المطعم هو نفسه الذي اشترته المنشأة من المورد المعلن هذه كلها مسؤوليات تتوزع على جهات متعددة ( الصحة ، البلديات ، الجهات البيطرية ، المنافذ الحدودية ،الجمارك، الجهات الأمنية والاقتصادية ، والجهات المسؤولة عن حماية المستهلك)
ولهذا فإن تحميل مطعم واحد كل المسؤولية في حالة وجود خلل في سلسلة التوريد قد يخفي السؤال الأكبر
أين انكسرت سلسلة الرقابة؟
ومن يحمي عقيدة المواطن؟
القضية في العراق لا تتعلق بالصحة وحدها اللحوم بالنسبة إلى المواطن المسلم ليست مجرد مادة غذائية هناك أيضا ً مسألة المصدر وطريقة الذبح وما إذا كان المنتج الذي يشتريه هو بالفعل ما قيل له إنه هو ، ولهذا فإن بيع نوع من اللحوم على أنه نوع آخر لا يمثل خداعاً اقتصاديا ً فقط بل يمكن أن يمس اعتقاد المستهلك أيضاً إذا ثبت أن المنتج مخالف لما أُعلن عنه وهنا تصبح الشفافية ضرورة المستهلك لا يحتاج إلى خطب يحتاج إلى معلومة واضحة هذا اللحم من أين جاء ؟ وهذه الشحنة من أي بلد ؟وهذه اللحوم أين ذُبحت ؟ وهذه الكمية متى أنتجت ؟ وهل هي صالحة للاستهلاك ؟ ومن فحصها ؟
لماذا لا تكون لكل شحنة هوية يمكن تتبعها؟
هذا السؤال يجب أن يكون في صميم أي إصلاح حقيقي لو كانت كل شحنة لحوم تحمل رقما ً يمكن تتبعه إلكترونيا ً ولو كان بالإمكان معرفة المستورد والمخزن والناقل والموزع والمطعم الذي اشترى منها فإن اكتشاف مخالفة في كيلوغرام واحد يمكن أن يقود إلى بقية الكمية أما إذا كان الطريق بين الحدود والمخزن ثم السوق والمطعم غير واضح فإن اكتشاف مخالفة واحدة لا يخبرنا بحجم الكمية التي سبقتها أو لحقت بها، وهنا تصبح الرقابة أقرب إلى مطاردة النتائج بدل منع الأسباب .
المطلوب ليس المزيد من البيانات الصحفية .
العراق لا يحتاج فقط إلى بيانات تعلن ضبط اللحوم وإتلافها بل يحتاج إلى كشف سلسلة المسؤولية عندما تضبط كمية مجهولة المصدر يجب أن يعرف المواطن مصدرها وعندما تضبط لحوم فاسدة يجب أن يعرف كيف وصلت وعندما يضبط لحم مخالف لطبيعة المنتج المعلن عنه يجب أن يعرف المواطن نتيجة الفحص وما الذي قررته المحكمة وعندما تمنع شحنة منتهية الصلاحية على الحدود يجب أن يكون السؤال التالي :
هل وصلت شحنات من المورد نفسه في أوقات سابقة
وأين ذهبت ؟ ؟ ومن استلمها وهل تم سحبها من الأسواق إن كانت قد دخلت البلاد سابقاً ؟
هذه الأسئلة هي التي تصنع الرقابة الحقيقية .
التحقيق الذي يجب أن يبدأ من الحدود وينتهي عند المطعم
أي تحقيق جاد في هذا الملف لا ينبغي أن يبدأ من المطعم وينتهي عنده بل يجب أن يبدأ من الحدود من المستورد من شهادة المنشأ من الفحص البيطري من الجمارك من المخازن من النقل من الجملة من المجزرة ثم يصل إلى المطعم أو السوق أو الجهة التي قدمت الطعام للمواطن وعند كل نقطة يجب أن تكون هناك وثيقة إذا اختفت الوثيقة في مكان ما فقد يكون هناك سؤال يستحق التحقيق وإذا اختلفت البيانات بين وثيقة وأخرى فهناك سؤال آخر وإذا ظهر لحم في السوق لا يمكن تحديد مصدره فالمشكلة أكبر من صاحب محل .
ماذا يجب أن يعرف المواطن؟
المواطن لا يريد أن يعيش في حالة خوف من كل وجبة ولا يريد أن تتحول الأسواق إلى مصدر للشائعات ولا يريد أن يسمع اليوم أن اللحم فاسد وغا ً أنه سليم وبعد غد أن هناك شبهة لحم خنزير ثم لا يعرف أين انتهت القضية المطلوب منظومة معلومات واضحة نتائج المختبرات مصادر اللحوم بيانات الاستيراد الجهات المسؤولة الإجراءات القانونية وأحكام القضاء عندما تصل القضايا إلى المحاكم لأن الحقيقة لا تحمي المواطن وحدها المعلومة الموثقة هي التي تحميه
في الختام المؤجل .
المشكلة ليست أن هناك مطعما ً خالف ولا أن هناك مجزرة خالفت ولا أن هناك تاجراً حاول تمرير شحنة المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يستطيع منتج مجهول المصدر أن يجد طريقه إلى السوق ثم إلى المجزرة ثم إلى المطعم ثم إلى طبق المواطن دون أن يعرف أحد على وجه الدقة من أين بدأ وتصبح أكثر خطورة عندما يكون المستهلك قد اشترى المنتج معتقا ً أنه لحم محلي أو تناوله في مطعم أو موكب وهو يثق بأن ما يقدم له يخضع للرقابة ثم يكتشف بعد فوات الأوان أن الحقيقة مختلفة في هذه الحالة لا يكون السؤال فقط من باع اللحم؟
بل يصبح السؤال الأكبر :
من سمح له بأن يصل إلى هنا ؟ ومن سمح له أن يمر من الحدود أو الأسواق أو المخازن أو المجازر أو المطاعم دون أن تكتشف حقيقته؟ ومن يضمن للمواطن أن ما يدخل فمه اليوم لن يتحول غداً إلى ملف قضائي جديد ؟
فالمواطن لا يحتاج دولة تكتشف الخطر بعد وقوعه فقط بل يحتاج دولة تمنع الخطر قبل أن يصل إليه لأن أخطر لحظة ليست عندما تكتشف الدولة اللحم الفاسد بل عندما يكتشف المواطن أنه كان يأكله طوال الوقت وهو يظنه لحماً آمناً وحلالاً .















