أحمد الوائلي… حين يرحل الجسد وتبقى الكلمة خالدة

phplove llمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
أحمد الوائلي… حين يرحل الجسد وتبقى الكلمة خالدة

أحمد الوائلي… حين يرحل الجسد وتبقى الكلمة خالدة

 

 

علي محمد جابر

ميسان

 

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾

 

في كل عام، تعود ذكرى رحيل قامةٍ علميةٍ وفكريةٍ كبيرة، ورمزٍ من رموز المنبر الحسيني، لنستذكر رجلاً لم يكن مجرد خطيبٍ يعتلي المنبر، بل كان مشروعًا علميًا وثقافيًا وإصلاحيًا متكاملًا، ترك أثرًا عميقًا في وجدان الأمة، وكتب اسمه بأحرفٍ من نور في سجل الخالدين.

 

إنه عميد المنبر الحسيني، العلامة الدكتور أحمد الوائلي، الذي حمل رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) بكل أمانة، وجعل من المنبر الحسيني منبرًا للوعي، ومنارةً للفكر، ومدرسةً للأخلاق، وجسرًا يربط بين أصالة الدين ومتطلبات العصر.

 

لقد تميز الدكتور الوائلي بأسلوبٍ فريد، جمع بين قوة الحجة، وبلاغة الكلمة، وسعة الاطلاع، وعمق التحليل. فكان يخاطب العقل قبل العاطفة، ويستند إلى القرآن الكريم والسنة النبوية وتراث أهل البيت (عليهم السلام)، مقدمًا خطابًا راقيًا بعيدًا عن التعصب والانفعال، فاستحق أن يكون أحد أبرز خطباء العصر الحديث، وأن يلقب عن جدارة بـ عميد المنبر الحسيني.

 

لم يكن هدفه أن يبكي الناس فحسب، بل كان يريد أن يزرع فيهم الوعي، وأن يجعل من واقعة الطف مدرسةً للحياة، يتعلم منها الإنسان معنى التضحية، والكرامة، والعدل، والإصلاح، والصبر، والثبات على المبادئ. لذلك كانت محاضراته تُنصت إليها مختلف الشرائح، من الأكاديمي إلى المثقف، ومن الشاب إلى الشيخ، لأنها كانت تمزج بين العلم والأدب والتاريخ والفكر، في قالبٍ متينٍ وممتع.

 

لقد جاب البلدان، واعتلى المنابر في العراق والكويت وإيران وسوريا ولبنان ودول الخليج وغيرها، وكانت كلمته تصل إلى ملايين الناس، حتى أصبحت تسجيلاته الصوتية والمرئية مرجعًا علميًا وثقافيًا لا يزال الناس يعودون إليه بعد سنوات طويلة من رحيله، يستلهمون منه المعرفة، ويقتبسون منه الحكمة.

 

وكان الوائلي يؤمن بأن المنبر الحسيني ليس مكانًا لإثارة الخلافات، وإنما رسالةٌ للإصلاح، وتربية الإنسان، وترسيخ الأخلاق، وتعزيز الوحدة، ونشر ثقافة الحوار، ولذلك بقي محل احترام وتقدير لدى مختلف الأوساط، لما امتلكه من حكمةٍ واتزانٍ وموضوعية.

 

ورغم أن السنين مضت على رحيله، إلا أن حضوره لم يغب، فما زالت كلماته تتردد في المجالس، وما زالت مؤلفاته ومحاضراته تُدرَّس وتُستشهد بها، وما زال اسمه يقترن بكل حديثٍ عن المنبر الحسيني الواعي والخطاب الديني الرصين.

 

إن الرجال العظام لا يقاسون بطول أعمارهم، بل بعظيم ما يتركونه من أثر، والدكتور أحمد الوائلي ترك إرثًا فكريًا وعلميًا سيبقى خالدًا ما بقيت المنابر، وستظل الأجيال تذكره بكل فخر واعتزاز، لأنه حمل رسالة الحسين (عليه السلام) بصدق وإخلاص، وأدى الأمانة بكل مسؤولية.

 

وفي ذكرى وفاته، لا نملك إلا أن نرفع أكف الضراعة إلى الله سبحانه وتعالى، أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يحشره مع محمد وآل محمد، وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأن يجعل كل كلمةٍ نطق بها، وكل علمٍ نشره، وكل قلبٍ اهتدى بسبب خطابه، في ميزان حسناته.

 

رحم الله عميد المنبر الحسيني، العلامة الدكتور أحمد الوائلي، رحمةً واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى، وجعل قبره روضةً من رياض الجنة.

 

ستبقى الكلمة الصادقة خالدة، وستبقى مدرسة الوائلي منارةً للأحرار، ومصدرًا للفكر والوعي، ما بقي منبرٌ يذكر الإمام الحسين (عليه السلام).

 

الفاتحة المباركة إلى روحه الطاهرة، وإلى أرواح علمائنا وشهدائنا والمؤمنين والمؤمنات.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة