العراق وأزمة السكن في زمن الطفرة العقارية

phplove llمنذ ساعتينآخر تحديث :
العراق وأزمة السكن في زمن الطفرة العقارية

العراق وأزمة السكن في زمن الطفرة العقارية

 

 

مصطفى طارق الدليمي /زاوية “أرشيف وطن”

 

 

عندما يبحث شاب عراقي عن منزل يؤسس فيه حياته يكتشف سريعاً أن الطريق إلى السكن أصبح أطول من الطريق إلى الوظيفة نفسها فأسعار الأراضي ترتفع بوتيرة متسارعة وأسعار الوحدات السكنية تقفز من عام إلى آخر فيما تتزايد أعداد المجمعات السكنية الحديثة التي تملأ أطراف بغداد وعدد من المحافظات وبين مشهد الرافعات التي لا تتوقف عن البناء ومشهد آلاف العائلات التي ما تزال تبحث عن منزل مناسب تتشكل واحدة من أكثر المفارقات وضوحاً في المشهد العراقي المعاصر حيث يواجه أزمة سكن متراكمة تعود جذورها إلى عقود طويلة فالحروب المتعاقبة والنمو السكاني المرتفع والتوسع الحضري غير المنظم وتراجع مشاريع الإسكان الحكومية كلها عوامل ساهمت في اتساع الفجوة بين الحاجة الفعلية للسكن وما هو متوفر على أرض الواقع ومع تزايد أعداد السكان عاماً بعد آخر أصبحت الحاجة إلى وحدات سكنية جديدة تتجاوز قدرة السوق التقليدية على الاستجابة خلال السنوات الأخيرة اتجهت الدولة إلى تشجيع الاستثمار العقاري بوصفه أحد الحلول الممكنة لمعالجة الأزمة فظهرت عشرات المجمعات السكنية في بغداد والأنبار والنجف وكربلاء وأربيل ومدن أخرى وأصبحت الإعلانات العقارية جزءاً ثابتاً في الشوارع هذه المشاريع أسهمت في زيادة المعروض السكني وتوفير فرص عمل في قطاع البناء والخدمات كما ساعدت في تطوير مناطق كانت تفتقر إلى البنية التحتية الحديثة

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه يتعلق بطبيعة هذه المشاريع والفئات التي تستهدفها فجزء كبير من الوحدات السكنية المطروحة في السوق يقع خارج القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة ومحدودة الدخل الموظف الذي يتقاضى راتباً متوسطاً يجد نفسه أمام أسعار تتطلب سنوات طويلة من الادخار أو قروضاً تمتد لعقود وهو ما يجعل كثيراً من المشاريع الاستثمارية بعيدة عن الفئة الأكثر حاجة إلى السكن حيث شهد السوق العقاري موجات متلاحقة من ارتفاع الأسعار ليس بسبب الطلب السكني فقط وإنما نتيجة دخول المضاربات العقارية بقوة إلى السوق فالعقار أصبح بالنسبة لكثير من المستثمرين وسيلة لحفظ الأموال وتحقيق الأرباح السريعة الأمر الذي دفع بأسعار الأراضي والمنازل إلى مستويات تفوق القدرة الحقيقية لغالبية المواطنين

هذه الظاهرة فتحت باب النقاش حول طبيعة الأموال المتدفقة إلى القطاع العقاري فخبراء الاقتصاد يشيرون إلى أن الأسواق العقارية في العديد من دول العالم تُعد من القطاعات التي تتطلب رقابة مالية دقيقة بسبب إمكانية استخدامها لإخفاء مصادر الأموال أو تدويرها من خلال عمليات البيع والشراء ولذلك فإن نجاح أي سياسة سكانية لا يرتبط بالبناء وحده وإنما بوجود أنظمة رقابية ومالية تضمن الشفافية وتحمي السوق من التشوهات المشكلة الأساسية أن أزمة السكن في العراق لا تتعلق بعدد الأبنية فقط، وإنما بطبيعة السياسة الإسكانية بأكملها فالسوق بحاجة إلى مشاريع تستهدف أصحاب الدخل المحدود والمتوسط وإلى أراضٍ مخدومة بأسعار معقولة، وإلى قروض سكنية طويلة الأمد بشروط واقعية فضلاً عن تطوير البنية التحتية في المدن الجديدة لتصبح بيئات جاذبة للسكن والاستقرار

التجارب الدولية أثبتت أن معالجة أزمة السكن تتطلب شراكة متوازنة بين الدولة والقطاع الخاص فالحكومات الناجحة لا تترك ملف السكن لقوى السوق وحدها كما أنها لا تتحمل العبء كاملاً بمفردها وإنما تضع سياسات تضمن تحقيق الربح للمستثمر من جهة وتأمين حق المواطن بالسكن من جهة أخرى

وفي العراق تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة النظر في فلسفة التعامل مع هذا الملف فالسكن ليس سلعة تجارية فحسب وإنما عنصر أساسي من عناصر الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وكلما اتسعت الفجوة بين أسعار العقارات ودخول المواطنين ازدادت الضغوط على المجتمع وارتفعت كلفة بناء المستقبل بالنسبة للأجيال الشابة

وسط الطفرة العمرانية التي تشهدها المدن العراقية يبقى المعيار الحقيقي للنجاح هو قدرة هذه المشاريع على تحويل حق السكن من حلم مؤجل إلى واقع متاح فالأبراج المرتفعة والواجهات الحديثة لا تكفي وحدها لحل الأزمة ما لم يشعر المواطن بأن المدينة التي تُبنى أمامه صُممت لتحتضنه لا لتبقى بعيدة عن متناول يده

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة