عصر التعفّن الدماغي وأثره في الوعي المجتمعي

phplove llمنذ دقيقتانآخر تحديث :
عصر التعفّن الدماغي وأثره في الوعي المجتمعي

عصر التعفّن الدماغي وأثره في الوعي المجتمعي

 

في عصر السرعة الرقمية لم تعد المشكلة في كثرة المعلومات التي تصل إلينا بل في قدرتنا على استيعابها وتحليلها والتحقق من صحتها. فقد أصبح الانتقال المستمر بين مقاطع الفيديو والمنشورات والإشعارات جزءًا من الحياة اليومية، الأمر الذي يطرح تساؤلات مهمة حول تأثير هذه العادات في الانتباه والتفكير والسلوك.

 

يُستخدم مصطلح «التعفّن الدماغي» (Brain Rot) للتعبير عن القلق من الإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي السطحي والمتكرر. وهو ليس تشخيصًا طبيًا يدل على تلف الدماغ، لكنه يسلّط الضوء على ظاهرة تستحق الاهتمام من منظور علم النفس الإعلامي، خصوصًا في ظل التنافس المتزايد بين المنصات الرقمية على جذب انتباه المستخدم وإبقائه أطول وقت ممكن.

 

نلاحظ هذه الظاهرة في مواقف يومية بسيطة. شخص يفتح هاتفه لدقائق فيجد نفسه قد أمضى ساعة في مشاهدة مقاطع متتابعة. وطالب يجد صعوبة في التركيز في كتاب بعد اعتياده على المحتوى السريع. ومستخدم يشارك خبرًا مثيرًا دون التحقق من مصدره. هذه السلوكيات لا تعني بالضرورة وجود تراجع في القدرات العقلية، لكنها تبيّن أهمية الانتباه إلى أثر أنماط الاستخدام الرقمي في عاداتنا المعرفية.

 

ومن منظور علم النفس الإعلامي، فإن تكرار التعرض للمثيرات السريعة قد يجعل بعض الأشخاص أقل صبرًا على المحتوى الذي يحتاج إلى تركيز وقراءة متأنية. كما أن التفاعل مع الأخبار المثيرة عاطفيًا قد يدفع إلى إصدار أحكام متسرعة قبل فهم السياق الكامل للمعلومة.

 

ولا يتوقف التأثير عند الفرد، بل يمتد إلى الوعي المجتمعي. فعندما تنتشر الأخبار غير الدقيقة وتتكرر مشاركتها، قد يعتقد الناس أنها صحيحة لمجرد شيوعها. وهنا تصبح الشائعات والمقاطع المجتزأة أدوات قادرة على توجيه الرأي العام وإثارة الانقسام والتأثير في الأمن المجتمعي.

 

وتبدأ المواجهة من تنمية التفكير النقدي والثقافة الإعلامية داخل الأسرة والمدرسة والمؤسسات الإعلامية. فتعليم الطفل أن يسأل عن مصدر المعلومة لا يقل أهمية عن تعليمه كيفية الوصول إليها. كما أن التحقق من الأخبار قبل نشرها، وتنظيم وقت استخدام الهاتف، وتخصيص مساحة للقراءة والحوار، خطوات بسيطة لكنها مهمة في بناء وعي رقمي مسؤول.

 

إن التكنولوجيا ليست المشكلة بحد ذاتها، فهي وسيلة للتعلم والمعرفة والتواصل. لكن المشكلة تظهر عندما يتحول الاستخدام من اختيار واعٍ إلى سلوك تلقائي يستهلك الوقت ويحدّ من فرص التفكير المتأني.

 

إن حماية الوعي المجتمعي تبدأ من حماية انتباه الإنسان. ففي زمن تتسابق فيه المنصات على ما نشاهده ونصدقه، تصبح قدرتنا على التحقق والتحليل والتفكير المستقل ضرورة تربوية وإعلامية، وليست مجرد مهارة إضافية

 

الفريق الدكتور

سعد معن الموسوي

٢٦ / ١٠ /٢٠٢٦

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

الاخبار العاجلة