لماذا يركض المسؤول العراقي كالمدان؟
بقلم: حسين الأسدي
في المشهد السياسي والاجتماعي العراقي تكرر مشهد بات يثير الغضب والدهشة معاً: مسؤولون ونواب لا يكتفون بمواكب السيارات التي تشق الشارع كالصواعق لترهيب المواطن المسكين الذي يصادف وجوده أمامهم بل حتى حين يترجلون على أقدامهم ويدخلون إلى مكان عام أو قاعة تراهم يمشون بـ سرعة فائقة يتبعهم قطيع من الحمايات يركضون من وراءهم بملامح متشنجة ونظرات تعج بالتعالي والاستكبار وكأنهم يمشون على أرض محتلة ويا ويل المواطن المسكين البسيط الذي يصير أمامه بسيارته الخاصة في الشارع أو يعترض طريقه وهو مترجل فـ جريمة بطئه البشري العادي تكفي لتنهال عليه أبواق الترهيب وربما التجاوز من عناصر حماية لا تملك من السلطة سوى فائض الغطرسة متناسين جميعاً ومعهم ذلك المسؤول حقيقة أزلية غابت عن بصائرهم وهي أن هذا الكرسي زائل لا محالة فما الذي تخفيه هذه الهرولة المتعالية ورتلها البرقي من أبعاد نفسية وسلوكية؟ وكيف يرى التحليل النفسي الفرق بين هذا الإرهاب الحركي وبين الزعيم الحقيقي الذي يمشي بهدوء ويسلم على ناسه؟أ
التحليل النفسي لـ الهرولة المتشنجة والتعالي في المكان العام والسرعة المفرطة للمسؤول المترجل وحماياته لا تعبر أبداً عن كثرة المشاغل أو سرعة الإنجاز بل تفضح عقداً وأمراضاً نفسية عميقة مثل عقدة الخوف من المواجهة وانعدام الأمان الداخلي
المسؤول الذي يهرول مترجلاً ويحيط نفسه بطوق بشري متشنج يخشى غريزياً من الاحتكاك المباشر مع الشعب. هو يعلم يقيناً حجم التقصير الذي بداخله لذا يخلق حوله هالة من الرعب والسرعة لتقليل زمن التعرض للجمهور هرباً من سؤال محرج أو عتاب شعبي مستحق وإسقاط الاستعلاء وتعويض الشعور بالنقص: حسب ما قاله الدكتور عاطف أحمد اختصاصي علم النفس السلوكي إن ترويع المارة في الأماكن العامة وإزاحة المواطنين بقسوة يعكسان شعوراً دفينًا بالهشاشة وضعف الشخصية.
المسؤول السوي لا يحتاج إلى الركض المتعجرف لفرض هيبته بينما يلجأ الضعيف إلى استعراض القوة الوهمية لتعويض شعوره بالدونية.
عمى السلطة ووهم الأبدية والتعالي الذي يرتسم على وجوههم أثناء الهرولة يكشف عن جهل مطبق بطبيعة الحياة وتاريخ الكراسي فهم يعتقدون أن المناصب دائمة لهم غافلين عن أن كل هالة التوتر والزيف ستتبخر بمجرد أن يغادروا ذلك الكرسي الزائل ليبقى لهم فقط أثر أخلاقهم وسيرة تعاملهم مع الناس.
والتحليل النفسي لـ المشي الهادئ والسلام الواثق على الجانب الآخر فإن المسؤول أو النائب الذي يمشي بثبات في مكانه ويدخل بهدوء دون استعراض أو تشنج ينطلق من أرضية نفسية سليمة تماماً
فالسلوك للتحليل النفسي وتفسير الخطوات المتزنة والحركة الهادئة يعكس الأمان الداخلي والاستقرار النفسي حيث لا يشعر الفرد بأنه مطارد أو مهدد من شعبه.
احترام الشارع والمواطن تعبير عن الذكاء العاطفي والاحترام المتبادل وإدراك أن المكان ملك للجميع وليس ملكية حصرية للموكب أو المسؤول. والارتياح بين الناس يدل على الشرعية الشعبية حيث ينظر المسؤول إلى الجمهور كعزوة وسند لا كخصم مرعب يجب الهروب منه أو دهس حقه في الطريق. ومقارنة بين النموذجين
المسؤول المترجل المتشنج (الهرولة والتعالي) المسؤول الواثق (الهدوء والتواضع)
—————————————- ———————————
• يمشي بسرعة فائقة هرباً من عيون الناس • يمشي بخطوات متزنة وواثقة
• ترافقه حمايات متشنجة ترهب الحاضرين • يتعامل بلطف ويرحب بالجميع ببساطة
• يعامل المواطن في الشارع كعائق أو تهديد • يحترم المارة والسيارات البسيطة كأهل
• ينسى أن الكرسي زائل والغرور سيزول • يعلم أن البقاء للأخلاق وللأثر الطيب
اذن الشارع مرآة للضمير والكرسي زائل في النهاية ليست سرعة الموكب ولا هرولة المسؤول مترجلاً سوى انعكاس حقيقي لحجم الفجوة بين السلطة والشعب.
المسؤول الذي يطير في الشارع بسيارته أو يهرول متشنجاً ومتكبراً في الأماكن العامة هو في الواقع يهرب من مرآة الحقيقة ومن حساب الضمير. أما من يحترم الشارع ويمشي بين الناس بهدوء وسلام فهو يدرك تماماً أن الكرسي إلى زوال وأن ما يبقيه في قلوب الناس هو التواضع والاحترام لا سيارات الدفع الرباعي ولا نظرات التعالي البائسة.















