مكاشفة أغنية الوطن التي لم تنطفئ هاتف الثلج

phplove ll24 يوليو 2026آخر تحديث :
مكاشفة أغنية الوطن التي لم تنطفئ هاتف الثلج

مكاشفة

أغنية الوطن التي لم تنطفئ

هاتف الثلج

ليس جميع الذين يمرون في تاريخ الأوطان يتركون أسماءهم على الجدران، فثمة رجال يتركونها في ضمير الزمن، يرحلون بصمت وتبقى خطاهم شاهدة على أن الوطن كان يسكنهم أكثر مما سكنوه. والدكتور تحسين معله واحد من أولئك الذين عبروا القرن العراقي المضطرب حاملين على أكتافهم حقيبتين لا تفترقان؛ حقيبة العلم وحقيبة الوطن، فلم يساوم على إحداهما ليحتفظ بالأخرى، ولم يبع ذاكرته السياسية ليشتري راحة المنفى، بل ظل حتى أنفاسه الأخيرة يكتب سيرته بأفعال لا بأقوال، وكأن حياته كانت محاولة طويلة للإجابة عن سؤال الوطن في زمن تعبت فيه الأسئلة من انتظار الإجابات.وُلد عام 1931 في النجف الأشرف، المدينة التي لا تُنجب أبناءها من رحم المكان فحسب، بل تمنحهم شيئاً من تاريخها وهيبتها وأسرارها المتوارثة، فنشأ في أسرة دينية عريقة تشرفت بسدانة الروضة الحيدرية لقرون طويلة، فتعلم منذ طفولته أن الإنسان قد يرث المال وقد يرث السلطة، غير أن أثمن ما يمكن أن يرثه هو المعنى، ولذلك ظل يبحث عن معنى العراق في الطب والسياسة والمنفى، وكأن حياته لم تكن سوى رحلة طويلة للعثور على وطن يليق بأحلام أبنائه.

أكمل دراسته الابتدائية والثانوية في النجف قبل أن يحمل أحلامه إلى بغداد عام 1949 ليدرس الطب، ولم يكن اختياره لهذه المهنة مجرد اختيار وظيفي بقدر ما كان انحيازاً للحياة ذاتها، فالطب ليس علماً لمداواة الأجساد وحدها، بل فلسفة أخلاقية تُعلّم صاحبها كيف يصغي إلى ألم الإنسان ويبحث عن أسباب الوجع الكامن خلف الملامح الصامتة. تخرج طبيباً عام 1955 ثم واصل رحلته العلمية ليحصل على دبلوم الأمراض المتوطنة من جامعة ليفربول عام 1962 وماجستير الصحة العامة من جامعة لوس أنجلس عام 1966، ليؤكد أن المعرفة لا وطن لها إلا الإنسان، وأن الطبيب الحقيقي هو الذي يرى في كل جسد وطناً صغيراً يستحق الحياة.كان بإمكانه أن يكتفي بما أنجزه علمياً وأن يغلق أبواب السياسة خلفه، لكنه آمن أن الطبيب الذي يعالج الإنسان لا يستطيع أن يقف متفرجاً على مرض الوطن، فانخرط في العمل السياسي منذ شبابه متأثراً بالاتجاه القومي الذي تربى عليه داخل أسرته، متنقلاً في فضاءات الفكر والسياسة التي شهدها العراق آنذاك، مشاركاً في البدايات الأولى لتشكيل العمل الحزبي الذي كان يبحث عن مشروع نهضوي للأمة، فكان نائباً لأمين سر أول قيادة قطرية حقيقية تشكلت عام 1952، ثم أعيد انتخابه في القيادة المنتخبة عام 1954، ليصبح شاهداً على مرحلة كانت الأحلام فيها أكبر من الخرائط السياسية التي عرفها العراق لاحقاً.وفي حياته العلمية والإدارية تسلم مناصب رفيعة تؤكد حضوره المهني والوطني، فشغل منصب مدير صحة العاصمة بغداد، ثم سفيراً للعراق في الجزائر عام 1968، قبل أن يُعين عميداً لكلية طب الموصل عام 1970، لينتقل بعدها إلى عمادة كلية الطب في بغداد حتى عام 1976. ولم تكن المناصب بالنسبة إليه سوى وسيلة لخدمة الإنسان، فلم يعرف عنه أنه تعامل مع السلطة بوصفها امتيازاً شخصياً، بل مسؤولية أخلاقية تزداد ثقلاً كلما ارتفع موقع صاحبها.غير أن الرجال الذين يحملون أفكارهم على ظهورهم لا يستطيعون طويلاً حمل أثقال التنازلات، ولذلك جاءت لحظة الاختبار الأصعب عندما وقعت خلافاته مع صدام حسين، فأُبعد عن الحزب وانتهى به الأمر إلى طلب إحالته على التقاعد، ليكتشف أن الخلاف مع السلطة قد يتحول إلى بداية رحلة أخرى مع الألم والمنفى، وأن الإنسان قد يخسر موقعه الوظيفي لكنه يربح احترامه لنفسه.

غادر العراق إلى الكويت مستشاراً لوزارة الصحة فيها، لكن يد الاغتيال التي كانت تلاحق الأصوات المختلفة لم تتركه بعيداً عن خطرها، فنجا من محاولة اغتيال دبرتها المخابرات العراقية، الأمر الذي دفعه إلى مغادرة الكويت نحو لندن عام 1978. وهناك لم يجد في المنفى مكاناً للنسيان، فالأوطان لا تغادر قلوب أبنائها وإن غادروا حدودها، بل تتحول في غربتهم إلى وجع أكثر وضوحاً وإلحاحاً.وفي لندن تعرض لمحاولة اغتيال ثانية عام 1980 أسفرت عن الاعتداء الجسيم على زوجته، غير أن الجراح لم تدفعه إلى الصمت أو الانكفاء، بل ظل مؤمناً بأن مقاومة الاستبداد ليست موقفاً سياسياً عابراً وإنما مسؤولية أخلاقية لا تنتهي بتغير الأمكنة. واصل نشاطه المعارض للنظام العراقي وشارك في جميع مؤتمرات المعارضة التي عقدت في عواصم العالم، وأسهم في تأسيس حركة الوفاق الوطني مع مجموعة من الوطنيين العراقيين الذين حلموا بعراق جديد لا يُقصي أبناءه ولا يجعل من الخوف نظاماً لإدارة الحياة.لقد كان المنفى بالنسبة إليه امتحاناً مضاعفاً؛ فهو الطبيب الذي كان يستطيع أن يعيش حياة هادئة بعيداً عن أوجاع السياسة، لكنه اختار أن يبقى وفياً لفكرته الأولى، وأن يحمل العراق معه أينما ذهب، فليس أشد قسوة على الإنسان من أن يعيش منفياً عن وطنه ومنفياً عن أحلامه في الوقت نفسه.وعندما داهمه المرض العضال عام 2000 لم يستسلم له، بل بقي متمسكاً بقضيته الوطنية حتى سقوط النظام، وكأن المرض كان يلتهم جسده فيما كان الوطن يستعيد شيئاً من حضوره في روحه. وفي عام 2004 عاد إلى العراق بعد غياب امتد ثمانية وعشرين عاماً، عاد لا ليبحث عما فقده من سنوات العمر، بل ليطمئن أن البلاد التي أحبها ما زالت قادرة على النهوض من تحت الركام ثم عاد إلى لندن للعلاج، وظل حتى لحظاته الأخيرة يتحدث عن العراق وعن مستقبله وعن الانتخابات التي ستصنع ملامح غده. لم يكن الموت قادراً على انتزاع العراق من حديثه الأخير، وكأن الوطن كان الكلمة التي اختارها لتكون خاتمة حياته الطويلة.إن سيرة الدكتور تحسين معله ليست سيرة طبيب وسياسي ومعارض فحسب، بل هي سيرة جيل كامل آمن بأن قيمة الإنسان بما يتركه من أثر لا بما يملكه من سلطة، وأن الوطن ليس مساحة جغرافية نعيش فوقها بل فكرة أخلاقية تسكن في أعماقنا. لقد عاش حياته كلها مؤمناً بأن العراق يستحق أن يُحب حتى وهو يخذل أبناءه، وأن الإنسان يستطيع أن يخسر كل شيء إلا وفاءه لفكرته النبيلة.رحل تحسين معله وبقيت حكايته تهمس للأجيال بأن الأوطان لا يبنيها الذين يرفعون شعاراتها، وإنما الذين يحملونها معهم إلى المنافي، ويظلون يتحدثون عنها حتى اللحظة التي يغادرون فيها العالم. وما أجمل أن يكون آخر ما يقوله الإنسان اسماً لوطنه، وما أعظم أن يكون الوطن هو النبض الأخير في قلب رجلٍ عاش عمره كله يبحث عن عراقٍ يليق بأبنائه.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة