من يقرأ فاتورة معرض بغداد؟

phplove llمنذ 33 دقيقةآخر تحديث :
من يقرأ فاتورة معرض بغداد؟

من يقرأ فاتورة معرض بغداد؟

 

أموال للنجوم… والكتاب ينتظر

تحقيق صحفي يفتح ملف الإنفاق على الضيوف: هل عاد الكتاب إلى الهامش، وأصبحت الأضواء لنجوم الفن؟

 

تحقيق _ إلاعلامي ثائر الموسوي

 

في مدينةٍ كان الكتاب فيها يوماً جزءاً من هيبتها الحضارية وفي عاصمةٍ ارتبط اسمها بالعلم والترجمة والمكتبات وحلقات المعرفة يبدو السؤال اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى:

 

لمن يُقام معرض بغداد الدولي للكتاب؟

 

السؤال قد يبدو بسيطاً لكن الإجابة عنه تقود إلى ملف أوسع يتعلق بهوية المعرض وأولوياته وطريقة إدارة المال المخصص للفعاليات الثقافية ومعايير اختيار الضيوف وحجم الأموال التي تُصرف على الاستضافة والضيافة والإقامة والنقل.

 

فالمعرض الذي يفترض أن يكون القارئ فيه محور المشهد يشهد حضوراً لافتاً لشخصيات فنية وإعلامية ومشاهير الأمر الذي يفتح الباب أمام أسئلة مشروعة حول حجم الإنفاق على هذه الاستضافات ومدى ارتباطها بالهدف الأساسي من إقامة معرض للكتاب.

 

وهنا لا بد من التأكيد منذ البداية:

 

هذا التحقيق لا يستهدف الفنان العراقي، ولا يعترض على وجود الفنان في أي فعالية ثقافية.

 

الفنان مثقف ومبدع وله مكانه الطبيعي في المشهد الثقافي.

 

لكن القضية تتعلق بشيء آخر تماماً:

 

هل تتناسب الأموال التي تُصرف على استضافة المشاهير مع طبيعة معرض يفترض أن يكون الكتاب والقارئ والناشر والمؤلف في مركزه؟

بغداد… المدينة التي كان الكتاب فيها عنواناً للحضارة

 

قبل أن نسأل عن الفنانين والضيوف والفنادق والسيارات علينا أن نتذكر أين يقام هذا المعرض.

 

إنها بغداد.

 

مدينة بيت الحكمة والترجمة والوراقين والمكتبات والعلماء والشعراء.

 

مدينة كان الكتاب فيها جزءاً من الحياة العامة لا مجرد سلعة توضع على رفوف المعارض.

 

ومن هذه الذاكرة الثقافية جاء معرض بغداد الدولي للكتاب الذي تعود جذوره إلى عقود مضت وتوثق المكتبة الوطنية العراقية دورات مبكرة له منذ سبعينيات القرن الماضي بينها الدورة العاشرة عام 1973 والحادية عشرة عام 1974 ودورات لاحقة في سبعينيات القرن الماضي.

 

أي أننا أمام تقليد ثقافي عراقي قديم وليس فعالية مستحدثة.

 

وتصف دار الشؤون الثقافية العامة معرض بغداد الدولي للكتاب بأنه من الفعاليات الثقافية العريقة في بغداد ومساحة يلتقي فيها الأدباء والمثقفون والدارسون والجمهور للاطلاع على الإصدارات واقتناء الكتب.

 

وهذا التاريخ يمنح المعرض قيمة تتجاوز أيام انعقاده.

 

اسم بغداد في عنوان المعرض ليس تفصيلاً.

 

إنه مسؤولية.

عندما يصبح السؤال: من حضر؟ بدلاً من: ماذا قرأنا؟

 

في السنوات الأخيرة أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً أساسياً من تسويق الفعاليات.

 

وهذا أمر طبيعي.

 

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول قيمة الفعالية الثقافية من مضمونها إلى أسماء ضيوفها.

 

فبدلاً من أن يكون السؤال:

 

من أهم الكتب الجديدة؟

 

من هم الكتاب المشاركون؟

 

ما الندوات الفكرية؟

 

ما المشاريع الجديدة لدور النشر؟

 

كيف نشجع الطلبة على القراءة؟

 

كيف ندعم الكتاب العراقي؟

 

قد يتحول المشهد إلى:

 

من الفنان الذي حضر؟

 

من المشهور الذي وصل؟

 

من التقط صورة مع هذا الفنان؟

 

وهنا ينبغي التوقف.

 

لأن معرض الكتاب إذا أصبح بحاجة إلى المشاهير كي يجذب الجمهور فإننا أمام سؤال عن قدرة الكتاب نفسه على جذب الجمهور.

الفنانون ليسوا المشكلة… الأولويات هي المشكلة

 

وجود الفنانين في معرض الكتاب ليس خطأ

 

بل يمكن أن يكون مفيداً للغاية إذا جاء ضمن برنامج ثقافي واضح.

 

فيمكن للفنان أن يتحدث عن سيرته أو تجربته الفنية أو علاقته بالقراءة أو كتاب ألهمه أو عن المسرح والسينما والموسيقى والفنون التشكيلية.

 

لكن الفرق كبير بين استضافة فنان ضمن برنامج ثقافي وبين تحمل نفقات استضافة مكلفة لا نعرف مدى علاقتها بالأهداف الأساسية للمعرض.

 

وهنا يظهر السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه إدارة المعرض بكل وضوح:

 

كم تبلغ كلفة استضافة الضيوف؟

 

وما حجم الأموال التي تُخصص للسفر؟

 

وكم تبلغ كلفة الإقامة؟

 

وكم تبلغ نفقات النقل والضيافة؟

 

وهل يحصل الضيوف على أجور أو مكافآت؟

 

ومن يحدد هذه المبالغ؟

 

وهل توجد لجنة مالية أو إدارية تراجعها؟

 

وهل تنشر هذه الأرقام للرأي العام؟

عشرات الملايين… أين تذهب؟

 

يتداول في الوسط الثقافي والإعلامي حديث عن إنفاق مبالغ كبيرة على استضافة عدد من الفنانين والضيوف.

 

لكن الصحافة المهنية لا تكتفي بما يُتداول.

 

الصحافة تسأل عن الوثيقة.

 

ولهذا فإن السؤال الأهم ليس:

 

هل صُرفت عشرات الملايين؟

 

بل:

 

هل توجد مستندات رسمية تثبت ذلك؟

 

وإذا كانت الإجابة نعم فالجمهور من حقه أن يعرف:

 

قيمة عقود الاستضافة.

 

أجور الضيوف إن وجدت.

 

تكاليف تذاكر السفر.

 

تكاليف الفنادق.

 

تكاليف النقل.

 

تكاليف الحماية والخدمات.

 

مصاريف الضيافة.

 

الجهة التي وافقت على الصرف.

 

مصدر التمويل.

 

وما إذا كانت هذه الأموال من موازنة حكومية أو رعاية أو موارد أخرى.

 

فالأموال التي تُنفق باسم الثقافة يجب أن تكون محكومة بأعلى درجات الشفافية.

 

الثقافة لا تخاف من كشف الأرقام.

ماذا لو ذهب المال إلى القارئ؟

 

لنفترض أن جزءاً من الأموال التي تنفق على الاستضافات والضيافة أمكن توجيهه إلى القارئ.

 

ماذا كان يمكن أن يحدث؟

 

ربما يمكن إطلاق برنامج سنوي لشراء الكتب للطلبة.

 

ربما يمكن توزيع قسائم شراء على آلاف الشباب.

 

ربما يمكن دعم المكتبات المدرسية.

 

ربما يمكن شراء الكتب الحديثة للمكتبات الجامعية.

 

ربما يمكن دعم دور النشر العراقية الصغيرة.

 

ربما يمكن تمويل مسابقات القراءة.

 

ربما يمكن إنشاء برنامج لاكتشاف الكتاب الشباب.

 

وربما يمكن منح آلاف الأطفال فرصة الدخول إلى عالم الكتاب للمرة الأولى.

 

وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:

 

أيهما أكثر أثراً في المجتمع؟

 

صورة مع فنان مشهور تنتهي بانتهاء المعرض؟

 

أم كتاب يصل إلى طالب ويبقى معه سنوات؟

القارئ… الضيف الذي لا يحظى بالاستضافة

 

المفارقة أن أهم شخصية في معرض الكتاب هي الشخص الذي غالباً لا يحتاج إلى بطاقة دعوة.

 

إنه القارئ.

 

يدخل المعرض بماله ويشتري الكتاب بماله ويصنع الحركة الاقتصادية والثقافية داخله القارئ هو الذي يمنح الكتاب حياته والكاتب يكتب من أجله والناشر يطبع من أجله والمترجم يعمل من أجله والمعرض يُقام من أجله ، ومع ذلك هل يحصل القارئ على ما يستحقه من اهتمام؟

 

هل توجد خصومات حقيقية ومنظمة؟

 

هل توجد برامج لدعم الطلبة؟

 

هل توجد أيام مجانية أو قسائم للطلبة؟

 

هل توجد مبادرات لتشجيع العائلات على شراء الكتب؟

 

هل توجد برامج خاصة للأطفال؟

 

هل توجد آليات لقياس أثر المعرض في معدلات القراءة بعد انتهاء أيامه؟

 

هذه الأسئلة أهم بكثير من سؤال:

 

كم فناناً حضر؟

الناشر العراقي… الحلقة التي تحتاج إلى الدعم

 

هناك جانب آخر لا ينبغي إغفاله دور النشر العراقية.

 

هذه الدور تواجه تكاليف الطباعة والتوزيع والتسويق، وتعمل في سوق يعاني أصلاً من تحديات اقتصادية وثقافية ومعرض الكتاب يمكن أن يكون فرصة حقيقية لها.

 

لكن السؤال:

 

هل يحصل الناشر العراقي على دعم كاف ٍ؟

 

هل هناك تمييز إيجابي للكتاب العراقي؟

 

هل توجد برامج لشراء الكتب من الناشرين العراقيين وتوزيعها على المكتبات العامة والمدارس والجامعات؟

 

هل توجد حوافز لدعم النشر الجديد؟

 

هل يخرج الناشر من المعرض بعقود ومبيعات وشراكات أم أن المعرض ينتهي بانتهاء أيامه؟

 

إذا كنا نريد صناعة ثقافية حقيقية فلا يكفي أن نقيم معرضاً.

 

علينا أن نبني اقتصاداً للكتاب.

وماذا عن الكاتب؟

 

الكاتب العراقي لا يحتاج إلى سجادة حمراء !

 

يحتاج إلى قارئ يحتاج إلى ناشر يحتاج إلى طباعة محترمة يحتاج إلى توزيع يحتاج إلى مكتبات ويحتاج إلى بيئة ثقافية تحترم إنتاجه.

 

كم كاتباً عراقياً شاباً يمكن دعمه بالمبلغ الذي يُنفق على استضافة ضيف واحد؟

 

هذا السؤال لا ينتقص من الضيف بل يعيدنا إلى مفهوم الأولويات.

هل تحولت الثقافة إلى صناعة صور؟

 

في عصر وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت الصورة أحياناً أقوى من المحتوى.

 

صورة فنان مشهور في معرض الكتاب يمكن أن تحقق آلاف المشاهدات.

 

لكن هل تحقق آلاف القراءات؟

 

هنا تكمن المشكلة.

 

قد تكون الصورة ناجحة إعلامياً لكنها ليست بالضرورة نجاحاً ثقافياً.

 

فالنجاح الإعلامي يقاس بالمشاهدة أما النجاح الثقافي فيقاس بالأثر.

 

كم كتاباً بيع؟

 

كم قارئاً جديداً جاء؟

 

كم طالباً اشترى كتاباً؟

 

كم مكتبة استفادت؟

 

كم كاتباً حصل على فرصة؟

 

هذه هي المؤشرات التي يجب أن نقيس بها نجاح معرض يحمل اسم بغداد.

نريد كشف الأرقام… لا اتهام الأشخاص

 

من حق إدارة معرض بغداد الدولي للكتاب أن تقدم روايتها بل إن المهنية الصحفية تقتضي منحها حق الرد كاملاً وإذا كانت الاستضافات تتم وفق عقود رسمية وبأسعار مناسبة وضمن برنامج ثقافي مدروس فلا مشكلة وإذا كانت الأموال التي يُقال إنها تصرف على الضيوف مبالغ فيها أو غير دقيقة، فلتخرج الجهة المنظمة وتوضح الحقيقة بالأرقام.

 

فالشفافية هي أفضل وسيلة لإغلاق باب الشائعات.

 

نحن لا نطلب إدانة أحد نطلب معلومة ولا نطلب التشهير بأحد نطلب كشفاً مالياً واضحاً ولا نطالب بمنع الفنانين من الحضور نطالب فقط بأن يبقى الكتاب في مركز معرض الكتاب.

من يدفع فاتورة النجومية؟

 

السؤال الأكثر أهمية هنا:

 

إذا كانت هناك استضافات تكلف مبالغ كبيرة فمن يدفع؟

 

إذا كانت من المال العام، فالمواطن شريك في السؤال وإذا كانت من أموال الرعاية، فمن حق الجمهور معرفة طبيعة الاتفاق وإذا كانت من موارد المعرض، فمن حق الناشرين والكتاب والقراء معرفة كيفية توزيعها.

 

فالمال الثقافي ليس مالاً بلا صاحب إنه مال مخصص لتحقيق هدف ثقافي وأي إنفاق يجب أن يخضع لمعيار بسيط:

 

هل يخدم الهدف الذي أُنشئ المعرض من أجله؟

معرض بغداد يحتاج إلى مشروع… لا إلى مهرجان مشاهير

 

ربما آن الأوان لأن ننتقل من فكرة «إقامة معرض» إلى فكرة «مشروع وطني للكتاب».

 

مشروع يبدأ قبل المعرض بأشهر ولا ينتهي بانتهاء أيامه.

 

مشروع يتضمن:

 

دعم القراءة المدرسية دعم المكتبات دعم النشر دعم الترجمة تشجيع الكتاب الشباب استضافة المفكرين والباحثين برامج للأطفال منح للطلبة تخفيضات حقيقية للكتب شراء حكومي منظم للكتب العراقية وتقييم سنوي معلن لنتائج المعرض.

 

عندها فقط يصبح معرض بغداد مؤسسة ثقافية ذات أثر مستدام.

بغداد لا تحتاج إلى أن تستعير نجوميتها

 

هناك شيء يجب ألا ننساه المعرض يحمل اسم بغداد وبغداد ليست مدينة عادية إنها مدينة عرفت الكتاب قبل أن يصبح الكتاب صناعة عالمية، واحتضنت العلم والترجمة والفكر.

 

لذلك لا تحتاج بغداد إلى عشرات المشاهير كي تثبت أنها مدينة ثقافة هي مدينة الثقافة أصلاً.

 

والمطلوب ليس أن نضع النجوم في مقدمة المشهد، ثم نترك الكتاب خلفهم المطلوب أن نجعل الكتاب نفسه نجماً.

السؤال الأخير… والأكثر أهمية

 

في نهاية المطاف لا ينبغي أن يتحول هذا التحقيق إلى معركة بين الفنانين والكتاب فالثقافة العراقية أوسع من ذلك.

 

الفنان والكاتب والشاعر والموسيقي والمخرج والمترجم والأكاديمي جميعهم أبناء مشهد ثقافي واحد.

 

المشكلة ليست في أن يجلس الفنان بجوار الكاتب المشكلة أن يجلس المال بجوار الأولويات الخاطئة.

 

ولهذا نضع الأسئلة أمام الجهة المنظمة، وأمام وزارة الثقافة والجهات الرقابية المعنية:

 

كم بلغت كلفة استضافة ضيوف معرض بغداد الدولي للكتاب؟

 

ما المبالغ التي دُفعت للفنانين والضيوف؟

 

من دفعها؟

 

وبأي سند قانوني أو إداري؟

 

وما نسبة هذه النفقات من إجمالي موازنة المعرض؟

 

وكم أنفق في المقابل على شراء الكتب ودعم الناشرين والكتاب والقراء؟

 

هذه الأسئلة لا تهدف إلى إطفاء الأضواء عن أحد بل تريد أن تعيد الضوء إلى مكانه الصحيح إلى الرف إلى الصفحة إلى الكتاب إلى يد الطالب إلى عين القارئ وإلى عقل الإنسان العراقي.

 

فقد تنتهي حفلة الفنان بانتهاء التصفيق…وقد تنتهي صورة المشهور بانتهاء المعرض…لكن كتاباً واحداً قد يغير حياة إنسان.

 

وهذه هي الوظيفة الحقيقية لمعرض بغداد الدولي للكتاب أن يجعل الكتاب حاضراً… لا أن يكون حاضراً على الهامش.

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

الاخبار العاجلة