التعليم العالي وسوق العمل : جدلية التكامل ووحدة الاهداف

phplove llمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
التعليم العالي وسوق العمل : جدلية التكامل ووحدة الاهداف

التعليم العالي وسوق العمل : جدلية التكامل ووحدة الاهداف

طارق عرمان عباس العبدالله المنصوري

اكاديمي وباحث \ استاذ جامعي

المقدمة

أن التحدي الرئيسي الذي يواجه التعليم العالي اليوم يتمثل في قدرته على إنتاج معرفة عميقة وفي الوقت ذاته إعداد خريجين مؤهلين للمساهمة في سوق العمل والتنمية المستدامة وعليه فإن أي إصلاح حقيقي للتعليم العالي ينبغي أن ينطلق من رؤية تكاملية تربط بين الجامعة والمجتمع والاقتصاد في إطار وحدة الساحات بينهما لتحقيق الاهداف المنشودة ، ان التحديات المتزايدة ناتجة عن التحولات في بئية سوق العمل بفعل العولمة ، التطور التكنولوجي ، الانتقال نحو الاقتصاد المعرفي وقد أعادت هذه التحولات طرح إشكالية العلاقة بين رصانة المناهج الأكاديمية من جهة وكفاءة المخرجات البشرية مما يستوجب بحث طبيعة هذه العلاقة والكشف عن مظاهر الاختلال في موائمة البرامج الجامعية مع متطلبات سوق العمل ، ان ضرورة تبني نموذج جامعي متوازن يدمج العمق العلمي بالفاعلية التطبيقية ويعزز الشراكة بين الجامعة والقطاعات الإنتاجية بما يسهم في تحسين قابلية تشغيل الخريجين ودعم التنمية المستدامة .

اولا: التعليم العالي وسوق العمل – جدلية التكامل

تعد العلاقة بين التعليم العالي وسوق العمل علاقة تكاملية في جوهرها إذ يفترض أن تسهم مؤسسات التعليم العالي في إعداد كوادر بشرية مؤهلة قادرة على تلبية احتياجات القطاعات الاقتصادية المختلفة غير أن هذا التكامل يواجه في الواقع جملة من الإشكاليات التي تحد من فاعليته أبرزها الفجوة المتزايدة بين المناهج الأكاديمية ومتطلبات المهن الحديثة وما يرافقها من تركيز مفرط على الجوانب النظرية على حساب المهارات التطبيقية.

أن برامج التعليم العالي لا تزال تصاغ بمعزل عن التحولات السريعة في سوق العمل سواء من حيث التطور التكنولوجي أو تنامي الاقتصاد المعرفي مما يؤدي إلى أعداد الخريجين الذين يفتقرون إلى الكفاءات المطلوبة ويجدون صعوبة في الاندماج المهني في سوق العمل كما يسهم ضعف الشراكة بين الجامعات ومؤسسات القطاعين العام والخاص في تعميق الفجوة إذ يغيب التنسيق في تحديد الاحتياجات المستقبلية والتخصصات ذات الأولوية .

إضافة إلى ذلك، يبرز غياب آليات فعالة للتقويم والمتابعة كأحد العوامل المعيقة لتحقيق التكامل المنشود حيث لم تراجع البرامج الأكاديمية بصورة دورية وفق مؤشرات سوق العمل ولا تمنح المهارات العملية الاهتمام الكافي ضمن الخطط الدراسية ويترتب على ذلك ارتفاع معدلات البطالة في صفوف الخريجين فضلا عن تزايد أعداد الحاصلين على الشهادات العليا .

وعليه فإن تحقيق التكامل الحقيقي بين التعليم العالي وسوق العمل يستلزم إعادة النظر في السياسات التعليمية وتعزيز الشراكة مع الفاعلين الاقتصاديين واعتماد مقاربات مرنة تستجيب للتحولات المتسارعة بما يضمن تحويل التعليم العالي من مجرد فضاء لنقل المعرفة إلى محرك أساسي للتنمية الشاملة والمستدامة .

 

ثانيا : نحو نموذج إصلاحي للتعليم العالي

ان طرح العلاقة بين الجامعة والمجتمع اليوم بوصفها إحدى أكثر الإشكاليات لا سيما إذا استحضرت أفكار المفكر الأمريكي جون ديوي الذي انتقد انعزال الجامعة عن محيطها الاجتماعي ودعا في كتابه الجامعة والمجتمع إلى “جامعة بلا جدران” جامعة لا تكتفي بإنتاج المعرفة لذاتها بل تنخرط في مشكلات المجتمع وتحول البحث العلمي إلى أداة لحلها ثم تعيد هذه الحلول إلى الواقع في صورة ممارسات عملية واضحة غير أن ما نراه في واقعنا اليوم هو نقيض هذا التصور فالمشكلة لا تقتصر على ضعف أداء الجامعات أو تقادم مناهجها بل تمتد إلى خلل بنيوي أعمق يتمثل في غياب التوصيف الوظيفي الدقيق لمختلف المهن والاختصاصات إذ كيف يمكن لجامعة أن تعد خريجا صالحا لسوق العمل في ظل غموض أو انعدام الإجابة عن سؤال بسيط ماذا يفترض بهذا الخريج أن يفعل بعد تخرجه ؟ إن غياب توصيف واضح للوظائف من أدنى السلم الوظيفي إلى أعلاه يجعل العملية التعليمية برمتها قائمة على افتراضات لا علاقة لها بالاحتياجات الحقيقية التي يتطلبها سوق العمل .

ولو أُجريت دراسات جادة تحدد مهام ومسؤوليات مهنيين كالمهندس الزراعي أوالممرض أو المهندس المدني من منظور الجهات المستفيدة من خدماته لا من وجهة نظر الخريج أو المؤسسة التعليمية فقط لانكشفت الهوة الهائلة بين ما يدرس في الجامعات وما يتطلبه الواقع العملي فالتوصيف الوظيفي ليس مجرد وثيقة إدارية بل هو مرآة تعكس المتطلبات الفعلية للعمل الحالي او الاعمال المستقبلية على حد سواء وهو ما يغيب بشكل كلي عن واقع المنظومة التعليمية .

والأخطر من ذلك أن الجامعات ما زالت تحصر مفهوم الكفاءة في الإطار النظري متجاهلة أن سوق العمل الحديث يتطلب مهارات أوسع كالتواصل والتخطيط والقيادة وحل المشكلات والاستعداد للعمل ضمن فرق متعددة التخصصات ونتيجة لذلك يتخرج الطالب يملك معلومات نظرية لكنه يفتقر إلى الحد الأدنى من الجاهزية المهنية المطلوبة .

وعند مقارنة نتائج أي دراسة جادة عن متطلبات المهنة بما تقدمه الجامعات من مناهج وأنشطة تعليمية تظهر الفجوة بوضوح ورغم ذلك نادرا ما تُترجم هذه الفجوة إلى مراجعة حقيقية للمناهج فالجامعة في كثير من الأحيان تفضل الاستمرار في تكرار ما اعتادت عليه بدلًا من مواجهة الواقع وتحمل كلفة التغيير .

و الحقيقية أن كثير من الدراسات غالبا ما تهمل أو تجرى بشكل شكلي لا يبنى عليها قرارات فاعلة فتبقى الجامعات تعمل بمعزل عن المجتمع والمجتمع يشكو من مخرجات تعليمية لا تلبي احتياجاته ولن ينكسر هذا الجمود ما لم يفرض منطق الشراكة والتكامل بين الجامعة والمجتمع لا كشعار نظري بل كمنهج عمل ملزم يؤسس للجامعات دور حقيقي في المجتمع بوصفها احدى اهم محركًات التنمية .

خاتمة

ان المعطيات تؤكد الحاجة إلى نموذج إصلاحي للتعليم العالي يقوم على تحقيق توازن دقيق بين الرصانة الأكاديمية وقدرة منح المهارات العملية بما يحقق نموذج يعيد تعريف وظيفة الجامعة بوصفها مؤسسة لإنتاج المعرفة وتطبيقها وليس فقط لنقلها ويتطلب هذا النموذج إصلاحات بنيوية تشمل السياسات التعليمية و آليات التقويم وتطوير قدرات أعضاء هيئة التدريس وتحديث طرائق التعليم والتعلم .

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة