الإعلان بين القَسَم والتضليل

phplove llمنذ 39 ثانيةآخر تحديث :
الإعلان بين القَسَم والتضليل

الإعلان بين القَسَم والتضليل

 

مصطفى طارق الدليمي / زاوية أرشيف وطن

 

يوضع المصحف أمام الكاميرا تُرفع اليد بالقسم ويُقدَّم المنتج بوصفه مضموناً وأصيلاً لقطة قصيرة تختصر خللاً كبيراً في مشهد الإعلان الرقمي في العراق حيث تُستبدل المعايير المهنية بلحظة تأثير عاطفي ولتأدية وظيفة تسويقية لا علاقة لها بجودة السلعة ولا بحق المستهلك في معرفة الحقيقة

خلال السنوات الأخيرة اتسعت مساحة الإعلان على قنوات التلفاز و منصات مثل “فيسبوك” و”تيك توك”و”يوتيوب” وأصبح الوصول إلى الجمهور يتم بضغطة زر عبر “إعلان ممول” لا يمر بأي غربلة مهنية حقيقية هذه البيئة سمحت بانتشار نماذج ترويجية تعتمد على القسم واللغة العاطفية بدل الأدلة الفنية وتمنح ثقة سريعة لمنتجات مجهولة المصدر خصوصاً في مجالات التجميل والمكملات الغذائية والأجهزة الصحية

في الإعلان المهني تُبنى الثقة على معلومات قابلة للتحقق من خلال شهادات مطابقة للبيانات وتقييمات مستخدمين أو سجل علامة تجارية أما في كثير من الإعلانات المحلية

فتُبنى الثقة على مشهد تمثيلي يستثمر قدسية الرمز الديني ويُراهن على وجدان المتلقي أكثر من عقله هنا لا يجري تضليل المستهلك فحسب انما يجري أيضاً خلطٌ مقلق بين المقدّس والمادي يضعف قيمة الرموز في الوعي العام ويحوّلها إلى أدوات بيع

رقابياً يفترض أن تُنظَّم الإعلانات ضمن أطر مؤسساتية مثل هيئة الإعلام والاتصالات لكن الواقع الرقمي تجاوز أدوات الرقابة التقليدية فالإعلان اليوم يصدر من صفحات شخصية وحسابات غير موثقة ومؤثرين بلا صفة قانونية واضحة يستخدمون خاصية الترويج المدفوع للوصول إلى آلاف المستخدمين يومياً دون مساءلة فعلية

تتضاعف الخطورة عندما يتعلق الإعلان بمنتجات تمسّ الصحة العامة تُباع وعود علاجية بلا سند علمي وتُسوَّق مواد تجميل ومكملات غذائية بلا بيانات اعتماد في غياب إشراف مباشر من جهات مختصة مثل وزارة الصحة العراقية و الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية وعندما ينكشف الخداع تختفي الصفحة ويُغلق الرقم ولا يبقى أمام المستهلك سوى الخسارة

هذه الفوضى ليست خللاً تسويقياً فقط انما مؤشراً على فجوة تشريعية ومعرفية البيئة الرقمية سمحت بظهور سوق موازٍ للإعلانات خارج الضوابط الأخلاقية والقانونية وداخل فضاء سريع الانتشار قليل التكلفة عالي التأثير ومع تكرار المشهد يتحول السلوك الشاذ إلى مألوف ويُعاد تعريف المقبول اجتماعياً على نحو يضر بالقيم قبل الجيوب

المعالجة تبدأ من تحديث التشريعات لتشمل الإعلانات الرقمية الممولة وفرض هوية قانونية لأي جهة تروّج لمنتج وتجريم استغلال الدين في التسويق وإطلاق برامج توعية بالاستهلاك الرقمي مع إلزام المنصات بآليات تحقق محلية بالتنسيق مع الجهات الرقابية فالإعلان حين يفقد ضوابطه يتحول من وسيلة تعريف إلى أداة تضليل ومن نشاط اقتصادي مشروع إلى عبث بثقة المجتمع

في المشهد العراقي اليوم لا تُباع السلع بالكلمات فقط انما تُباع الثقة أيضاً وحين تُستثمر القيم لإتمام صفقة تصبح الخسارة أكبر من ثمن منتج رديء إنها خسارة في ميزان الوعي واحترام المقدّسات وحق المستهلك في الحقيقة

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة