جيوش الظل معارك بلا بنادق

phplove llمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
جيوش الظل معارك بلا بنادق

جيوش الظل معارك بلا بنادق

 

 

مصطفى طارق الدليمي /زاوية “أرشيف وطن”

 

 

في الحروب القديمة كان الجنرال يبحث عن المرتفعات قبل أن تبدأ المعركة لأن من يسيطر على الأرض المرتفعة يرى خصمه أولاً ويحدد اتجاه النيران أما اليوم فقد تبدلت ساحات القتال لم تعد التلال هي الهدف وإنما شاشات الهواتف ومن يسيطر على الشاشة يقترب كثيراً من السيطرة على العقول أو على الأقل توجيه انفعالاتها لساعات أو أيام تكفي لتغيير مسار حدث سياسي أو صناعة أزمة جديدة

في العراق ماعاد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو تبادل الآراء شيئاً فشيئاً تحولت إلى ميدان تتنافس فيه القوى السياسية والجماعات المنظمة والجهات الاقتصادية وحتى الحسابات المجهولة التي لا يعرف أحد من يقف خلفها وما بين منصة “التيلغرام” ومنصة “إكس” نشأت جيوش رقمية لا ترتدي زياً عسكرياً لكنها تخوض معارك يومية أشد تأثيراً من كثير من المعارك التقليدية

التيلغرام في العراق ما عاد مجرد تطبيق للمراسلة فقد أصبح غرفة عمليات عشرات القنوات تنشر وثائق وتسريبات وتسجيلات وأخباراً عاجلة وتحليلات قبل أن تتحقق منها أي جهة إعلامية بعض هذه القنوات يملك جمهوراً يفوق جمهور صحف عريقة وبعضها يصنع حدثاً سياسياً كاملاً من منشور لا يتجاوز بضعة أسطر وفي كثير من الأحيان يصبح الخبر المتداول في التيلغرام مادة تتلقفها بقية المنصات ثم تنتقل إلى الفضائيات وبعدها إلى الشارع

أما إكس فقد تحول إلى منصة لصناعة المزاج السياسي أكثر من كونه منصة للنقاش هناك لا تكسب الفكرة بالضرورة وإنما يكسب من يمتلك القدرة على دفع هاشتاك إلى الصدارة آلاف الحسابات تستطيع خلال دقائق أن تجعل قضية هامشية تبدو وكأنها الشغل الشاغل للعراقيين أو أن تدفن قضية كبرى تحت سيل من هاشتاكات الجديدة وما يراه المستخدم على شاشته قد لا يكون انعكاساً للرأي العام الحقيقي، بل نتيجة نشاط منظم تقوده حسابات متعاونة أو شبكات إلكترونية تعمل وفق توقيت واحد ورسالة واحدة

ولعل أخطر ما في هذه الجيوش أنها لا تحتاج إلى إقناع الجميع. يكفي أن تزرع الشك فحين يصبح المواطن عاجزاً عن التمييز بين الحقيقة والإشاعة وبين الوثيقة المفبركة والوثيقة الأصلية تتحقق الغاية الأساسية عندها يفقد الناس ثقتهم بكل شيء ويصبح الرأي العام أكثر قابلية للتوجيه وأكثر استعداداً لتصديق الرواية التي تتكرر أكثر حتى لو افتقرت إلى الدليل وليس من الضروري أن تكون هذه الحسابات تابعة لأحزاب فقط فهناك شركات متخصصة في إدارة الحملات الرقمية وهناك مؤثرون يعملون وفق عقود وهناك صفحات تبحث عن الأرباح من خلال رفع نسب التفاعل لأن الغضب والخوف والجدل تحقق انتشاراً أسرع من الحقائق الهادئة وهكذا تختلط السياسة بالتجارة وتختلط الدعاية بالخبر ويجد المواطن نفسه أمام سوق مفتوحة يصعب فيها التمييز بين الصحفي الحقيقي والمسوق السياسي

النتيجة الأخطر أن القرار السياسي نفسه بدأ يتأثر بهذا المناخ الرقمي فالمسؤول يتابع المنصات كما يتابع التقارير الرسمية والسياسي يقيس ردود الأفعال من خلال الهاشتاكات وبعض المؤسسات تضطر إلى إصدار بيانات متلاحقة لملاحقة شائعة بدأت من حساب مجهول وهكذا أصبحت المنصات لا تكتفي بعكس الواقع وإنما تشارك في صناعته ولا يعني ذلك أن منصات التواصل أصبحت شراً مطلقاً فقد كشفت ملفات فساد وفتحت باب الرقابة الشعبية ومنحت المواطنين مساحة للتعبير لم تكن متاحة في مراحل سابقة غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الحرية إلى أداة احترافية لإدارة الانفعالات الجماعية وعندما يصبح المستخدم وقوداً في معركة لا يعرف أطرافها

إن أخطر ما تواجهه الدولة اليوم ليس فقط الأخبار الكاذبة وإنما هندسة الوعي فالمعركة لم تعد تدور حول من يمتلك الحقيقة وإنما حول من يمتلك القدرة على إيصال روايته أولاً وتكرارها أكثر وإغراق الفضاء الرقمي بكل ما يجعل الروايات الأخرى تبدو ضعيفة أو متأخرة

ما عادت جيوش الظل تسير في الأزقة وإنما تتحرك بين الشاشات لا يسمع الناس وقع أقدامها لكنهم يرون آثارها في كل أزمة وفي كل انتخابات وفي كل انقسام جديد

وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس من يدير هذه الجيوش وإنما إلى أي مدى أصبح المزاج السياسي العراقي يُصنع خلف شاشة هاتف قبل أن يُصنع داخل قبة البرلمان أو في قاعات صنع القرار

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة