تولي المناصب العامة وثلاثية العلم الرصين وكفاءة الإدارة وحكمة القيادة مدخل في القيادة الرشيدة للمؤسسات …
بقلم : طارق عرمان عباس العبدالله المنصوري
اكاديمي وباحث \ استاذ جامعي
مقدمة :
تمثل القيادة الإدارية في القطاع العام او الخاص أحد أهم محددات كفاءة المؤسسات وقدرتها على تحقيق أهدافها الاستراتيجية إذ لم يعد نجاح المؤسسات الحديثة مرهونا بما تمتلكه من موارد مادية أو صلاحيات قانونية فحسب بل أصبح يعتمد بدرجة جوهرية على نوعية القيادات التي تتولى إدارتها ومدى امتلاكها لرأس مال معرفي وكفاءة إدارية ونضج قيادي يؤهلها لصناعة القرار الرشيد وإدارة الموارد بكفاءة وفاعلية حيث ينظر إلى المنصب بوصفه مسؤولية وظيفية ذات أبعاد قانونية وأخلاقية وتنموية لا باعتباره مركزا للسلطة أو رمزا للمكانة الاجتماعية ومن هذا المنطلق فإن فاعلية شاغل المنصب ترتكز على منظومة متكاملة يمكن توصيفها بثلاثية : العلم الرصين وكفاءة الإدارة وحكمة القيادة وهي تمثل الأبعاد المعرفية والتنفيذية والاداء الاستراتيجي المؤسسي وضرورة التكامل بينهما .
أولًا : العلم أساس الكفاءة المعرفية وصناعة القرار
حبث يشكل العلم الرصين المرتكز الأول في بناء الكفاءة القيادية ليس بوصفه تراكما للمؤهلات الأكاديمية وإنما باعتباره قدرة على إنتاج المعرفة وتوظيفها في تحليل المشكلات وتشخيص أسبابها وبناء البدائل واختيار الحلول الأكثر كفاءة استنادا إلى الأدلة والبيانات وتؤكد الأدبيات المعاصرة في الإدارة العامة أن جودة القرار ترتبط ارتباطًا وثيقا بجودة المعلومات ومن ثم فإن القيادة التي تستند إلى المعرفة العلمية تكون أكثر قدرة على تقليل عدم اليقين وإدارة المخاطر واستشراف المتغيرات المستقبيلية .
حيث يصبح القرار الإداري نتاًجا لعملية عقلانية تعتمد التحليل المنهجي وليس استجابة آنية للضغوط أو الانطباعات الشخصية ولذلك فإن ضعف البناء المعرفي لشاغل المنصب يؤدي إلى قرارات قصيرة الأجل تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية وتعجز عن معالجة الأسباب الجذرية للمشكلات الأمر الذي ينعكس سلبًا على كفاءة الأداء المؤسسي…
ثانيًا : كفاءة الإدارة وتحويل الموارد إلى قيمة مؤسسية
إذا كان العلم يمثل مدخل القرار فإن الإدارة تمثل آلية تحويل المعرفة إلى نتائج قابلة للقياس فالإدارة الحديثة ليست مجرد ممارسة للإجراءات التنظيمية بل منظومة متكاملة تشمل التخطيط الاستراتيجي وإدارة الموارد وتصميم العمليات وقياس الأداء وإدارة الجودة وإدارة المخاطر والتحسين المستمر وتعزيز المؤسسة بقيمة مضافة .
وتقاس كفاءة الإدارة بقدرتها على تحقيق أعلى مستويات الفاعلية والكفاءة في استخدام الموارد المتاحة بما يضمن تعظيم المخرجات وتقليل الهدر مع المحافظة على جودة الخدمات واستدامة الأداء ومن هنا فإن القائد الكفء لا يقتصر دوره على تنفيذ اللوائح وإنما يعمل على بناء بيئة تنظيمية قائمة على التعليم المستمر والعمل بروح الفريق مما يجسد ابعاد الجودة في المخرجات أما حين تغيب الكفاءة الإدارية فإن المؤسسة تواجه اختلالات هيكلية تتمثل في ضعف التنسيق وتتضارب الاختصاصات وغياب مؤشرات الأداء وهدر الموارد وتراجع الإنتاجية الأمر الذي يؤدي تدريجيا إلى انخفاض الفاعلية المؤسسية وفقدان القدرة على تحقيق الأهداف الاستراتيجية .
ثالثا : حكمة القيادة في تحقيق الثقة التنظيمية وتمكين العاملين وإدارة التغيير .
تمثل القيادة البعد الأكثر تعقيدًا في إدارة المؤسسات لأنها تتجاوز ممارسة السلطة إلى إدارة الإنسان والمؤسسة والبيئة المحيطة في آن واحد. فالقيادة في الفكر الإداري المعاصر تقوم على بناء الرؤية المشتركة وتعزيز الثقة التنظيمية وتمكين العاملين وإدارة التغيير واحتواء الصراعات وتحفيز الابتكار بما يسهم في تكوين رأس مال مؤسسي قادر على التعلم والتكيف مع المتغيرات والقيادة الحكيمة لا تستمد مشروعيتها من الصلاحيات القانونية وحدها بل من قدرتها على تحقيق التوازن بين الكفاءة الإدارية والالتزام الأخلاقي وبين متطلبات الإنجاز وقيم العدالة والشفافية كما أنها تدرك أن الاستثمار الحقيقي لا يكون في الإجراءات وإنما في الإنسان وأن المؤسسة الناجحة هي التي تبني أنظمة عمل قادرة على الاستمرار بصرف النظر عن تغير الأشخاص ولهذا فإن القيادة الرشيدة تمثل ركيزة أساسية من ركائز الحوكمة لأنها تضمن سلامة القرار وعدالة توزيع الموارد ووضوح المسؤوليات وفاعلية نظم الرقابة والمساءلة وهي عناصر ترتبط ارتباطًا مباشرا باستدامة الأداء المؤسسي .
رابعا : جودة التكامل بين العلم وكفاءة الادارة وحكمة القيادة
تكشف الخبرات الإدارية المقرونة بالعلم وكفاءة الإدارة وحكمة القيادة ليست عناصر مستقلة وإنما مكونات لنظام مؤسسي واحد يتسم بالتكامل والتفاعل فالعلم يوفر المعرفة اللازمة لصنع القرار والإدارة تحول القرار إلى برامج تنفيذية والقيادة تهيئ البيئة التنظيمية الكفيلة بإنجاح التنفيذ وتحقيق الالتزام ومن ثم فإن اختلال أي عنصر من هذه العناصر ينعكس مباشرة على بقية العناصر إذ لا يمكن للإدارة أن تكون كفوءة دون معرفة علمية كما لا تستطيع القيادة أن تحقق التأثير المستدام في غياب الإدارة الرشيدة ولا قيمة للعلم إذا ظل حبيس التنظير دون قدرة على تحويله إلى سياسات وإجراءات فاعلة إن غياب هذه المنظومة المتكاملة يقود إلى الفشل المؤسسي حيث تتراجع جودة القرار وتضعف كفاءة تخصيص الموارد وتختل منظومة الحوكمة وتتراجع الشفافية وتزداد تكاليف الأداء وتتآكل الثقة المؤسسية وهي جميعها مؤشرات ترتبط بانخفاض الفاعلية وعدم القدرة على تحقيق الاهداف المنشودة .
الخاتمة
تؤكد التجارب الإدارية الناجحة أن بناء المؤسسات يبدأ باختيار القيادات وأن جودة الحوكمة هي انعكاس مباشر لجودة من يتولى مسؤولية القرار وعليه فإن اختيار شاغلي المناصب ينبغي أن يستند إلى معايير موضوعية تجمع بين التأهيل العلمي والخبرة العملية والكفاءة الإدارية والقدرات القيادية المرتبطة بالخصائص الشخصية والنزاهة الأخلاقية لان الادارة تبنى بالاهداف لا بالعلاقات غير الموضوعية وبذلك تغدو ثلاثية العلم الرصين وكفاءة الإدارة وحكمة القيادة إطارا مرجعيا لبناء القيادات المؤسسية ومؤشرا لقياس جودة الأداء الإداري ومدخلا لتعزيز الحوكمة الرشيدة وتحقيق التنمية المستدامة وترسيخ الثقة بين الدولة ومؤسساتها والمجتمع…















