الحروف ليست بالمجان
مصطفى طارق الدليمي /زاوية “أرشيف وطن”
في صباح جمعة لا أذكر تاريخه على وجه الدقة كنت أمشي في شارع المتنبي والكتب تمتد على الأرصفة كعادتها حتى استوقفني مشهد لم أستطع تجاوزه طفل لا يتجاوز الثانية عشرة من عمره يجلس القرفصاء أمام كومة من الكتب المستعملة لم يكن بائعاً ولا مشترياً انما قارئاً عيناه تلتهمان السطور وأصابعه تقلب الصفحات بحذر من يعرف أن الوقت قصير وأن صاحب البسطة قد يطالبه في أي لحظة بإعادة الكتاب إلى مكانه اقتربت منه وسألته: ماذا تقرأ؟ رفع رأسه ببطء ونظر إليّ بنظرة طفل اعتاد أن يُسأل ليُزجر لا ليُحاور قال بهدوء”قصص” قلت: ولماذا لا تشتري الكتاب؟
ابتسم ابتسامة صغيرة ما زلت أتذكرها حتى اليوم ثم قال: ما عندي فلوس…لكن الحروف بالمجان
واصلت سيري لكن الجملة بقيت تسير معي لم تكن عبارة عابرة قالها طفل يبحث عن ساعة إضافية مع كتاب انما كانت وصفاً مكثفاً لواقع بلد كامل بلد يمتلك أطفالاً يتعطشون إلى المعرفة لكنه يعجز عن أن يجعل الوصول إليها حقاً سهلاً وكريماً
التعليم ليس مناهج تُحفظ ولا امتحانات تُؤدى انما هو أول وعد تقطعه الدولة لمواطنيها حين يجلس الطفل في مقعده الدراسي للمرة الأولى يفترض أن تصله رسالة واضحة” أنت تستحق أن تتعلم وما ستتعلمه اليوم سيكون طريقك إلى غدٍ أفضل” وحين تكون هذه الرسالة صادقة فإنها تبني ما هو أكبر من المدارس والجامعات تبني ثقة الإنسان بنفسه وثقته بمجتمعه وثقته بأن دولته ترى فيه مشروع مستقبل لا رقماً في سجل أو عبئاً على الموازنة لكن ماذا يحدث عندما تكون الرسالة مختلفة؟
حين يجلس التلميذ في صف يتسرب إليه المطر شتاءً ويتحول إلى غرفة خانقة صيفاً وحين يقف أمامه معلم أنهكته الحياة يخرج من المدرسة ليعمل عملاً آخر كي يؤمن قوت عائلته وحين يتخرج الشاب بعد سنوات طويلة من الدراسة ليكتشف أن شهادته وحدها لا تكفي وأن الأبواب تُفتح بالواسطة أكثر مما تُفتح بالكفاءة وحين يشعر الكاتب والمثقف بأن المعرفة أصبحت هامشاً وأن الضجيج أعلى صوتاً من الفكر عندها لا يتراجع التعليم وحده ولا تنكمش الثقافة فحسب انما تتصدع الثقة نفسها والثقة إذا انهارت بين المواطن ودولته يصعب ترميمها أكثر من أي طريق أو جسر أو مبنى
خلال سنوات طويلة رأيت أجيالاً تدخل المدارس بعيون يملؤها الفضول ثم تغادرها وقد انطفأ شيء من ذلك البريق رأيت شباباً يحملون شهاداتهم كما يحمل المسافر حقيبة لا يعرف أين يضعها ورأيت مثقفين يختارون الصمت لا لأنهم فقدوا ما يقولونه انما لأنهم فقدوا الإيمان بأن أحداً ما زال يصغي رأيت دولة تظن أنها تبني المستقبل بينما كانت من حيث لا تشعر تهدم أساسه الأهم إيمان مواطنيها بها التاريخ لا يروي لنا أن الأمم نهضت لأنها امتلكت ثروات هائلة بل لأنها أحسنت استثمار الإنسان فالثروة قد تُستخرج من باطن الأرض أما الإنسان فلا يُبنى إلا بالعلم والثقافة والثقة ولهذا لم تبدأ “اليابان” نهضتها من المصانع انما من المدرسة ولم تجعل فنلندا التعليم أولوية لأنها أغنى من غيرها بل لأنها أدركت أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من عقل الطفل قبل أي مشروع آخر
أما في العراق فما زال التعليم يُعامل بوصفه بنداً مالياً يخضع للزيادة والنقصان لا قضية وجود ومستقبل وما زال المعلم ينتظر ما يعيد إليه مكانته والمثقف يبحث عن مساحة يُسمع فيها صوته فيما تتسع المسافة بين المواطن والدولة عاماً بعد آخر أحياناً أتذكر ذلك الطفل الذي التقيته على رصيف المتنبي وأتساءل أين انتهت به الحياة لا أعرف إن أصبح طبيباً أو مهندساً أو معلماً ولا أعرف إن بقي في العراق أم غادره لكنني أعرف شيئاً واحداً أن ذلك الطفل كان يحمل جوعاً حقيقياً إلى المعرفة وكان يستحق دولة ترى ذلك الجوع فرصة تستثمرها لا حاجة تتجاهلها لقد قال يومها إن الحروف بالمجان لكن الحقيقة أن الحروف ليست بالمجان أبداً فحين تعجز الدولة عن حماية المعرفة يكون الثمن مستقبلاً كاملاً تدفعه الأجيال جيلاً بعد جيل















