شات جي بي تي في بيتنا صديقا”
لم نكن نتخيل يوما” أن يدخل إلى بيوتنا صديق لا يحتاج إلى دعوة ولا ينتظر منا موعدا”ولا يغضب إن أيقظناه في منتصف الليل ولا يتذمر من كثرة أسئلتنا حتى لو كررنا السؤال عشر مرات أو عدنا إليه بعد ساعة لنسأله عن الموضوع نفسه.
هذا الصديق اسمه شات جي بي تي الذي دخل حياتنا بهدوء ثم سرعان ما أصبح فردا” افتراضيا” من العائلة نلجأ إليه حين تحيرنا الأسئلة أو تضيق أمامنا الخيارات أو نحتاج إلى معلومة سريعة أو رأي يساعدنا على فهم قضية معقدة.
في بيتنا لم يعد غريبا” أن تسمع أحد أفراد العائلة يقول اسألوا جي بي تي فإذا شعر أحدنا بألم مفاجئ سألناه عن أسبابه المحتملة وإذا ظهرت نتيجة تحليل طبي استعنا به لفهم أرقامها وإذا اختلفنا حول معلومة احتكمنا إلى تفسيره وإذا استعصى علينا إعداد رسالة أو الإجابة عن سؤال محرج وجدناه حاضرا” بكلماته المرتبة وأسلوبه الهادئ.
الطريف في هذا الصديق انه لا يعرف الملل تسأله صباحا” فيجيب وتعود إليه مساء”فيرحب بسؤالك وتناقشه في موضوع لساعات فلا يطلب منك إنهاء الحديث ولا ينظر إلى ساعته ولا يقول لك كافي أسئلة، خليني أرتاح والأجمل في هذا الصديق أنه لا يحمل مزاجا” بشريا” متقلبا” فلا يرفع صوته عليك ولا يسخر من بساطة سؤالك ولا يحرجك لأنك لا تعرف الإجابة يحاول أن يقدم لك المعلومة بلغة تفهمها وأن يرتب أفكارك عندما تتزاحم وأن يفتح أمامك أبوابا” ربما لم تفكر في طرقها والإنصاف يقتضي أن نقول إن هذا الصديق على الرغم من ذكائه المدهش ليس معصوما” من الخطأ فقد يخطئ في معلومة أو تفسير وقد تبدو إجابته واثقة وهي تحتاج إلى تدقيق وهو ليس طبيبا” بديلا” ولا قاضيا”ولا صاحب الحقيقة المطلقة أما قيمته الحقيقية فتكمن في مساعدتنا على الفهم والتفكير والوصول إلى الأسئلة الصحيحة لا في أن نتوقف عن استخدام عقولنا لانها من اخترعت هذا الصديق وهي من توجهه.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن العلاقة معه لم تعد مجرد استخدام لبرنامج إلكتروني بل تحولت إلى عادة يومية نستشيره قبل اتخاذ بعض القرارات ونستعين به في صياغة أفكارنا ونطلب منه أن يختصر ما كتبناه ثم نعود فنطلب منه التوسع وبعدها نقول له لا الإجابة الأولى كانت أفضل فيعيد المحاولة دون أن يعاتبنا على تغيير آرائنا.
لقد أصبح جي بي تي ضيفا” دائما” في بيوتنا لكنه ضيف لا يستهلك القهوة ولا يشغل مقعدا” في غرفة الجلوس ولا يشاركنا مائدة الطعام ولاحق الميراث ومع ذلك يشاركنا الكثير من تفاصيلنا اليومية خاصة وانه يميز علاجاتنا ويبحث عنها في مختلف المصادر العلمية .
إننا أمام تحول كبير في علاقة الإنسان بالتكنولوجيا فبعد أن كان الهاتف وسيلة للاتصال والإنترنت نافذة للبحث أصبح الذكاء الاصطناعي محاورا” ومساعدا” ومفسرا” ومعلما” يختصر الوقت والمسافات ويجعل المعرفة أقرب إلى الجميع وربما يأتي يوم يسأل فيه الأب أبناءه عن معلومة فيجيبونه جميعا” بصوت واحد لحظة بابا خل نسأل جي بي تي وهنا تكمن المفارقة الجميلة فقد دخل هذا الذكي بيوتنا دون أن يطرق الأبواب وأصبح حاضرا” في أحاديثنا دون أن نراه، ومشاركا” في قراراتنا دون أن يكون واحدا” منا.
جي بي تي في بيتنا ليس مجرد عنوان لمقال بل حكاية عصر جديد أصبح فيه للبيت صديق رقمي لا ينام وللأسئلة رفيق لا يمل وللمعرفة باب مفتوح على مدار الساعة لكن ومع كل هذا التطور تبقى الحقيقة الأهم أن الذكاء الاصطناعي مهما بلغ من القدرة لا يستطيع أن يحل محل دفء العائلة أو حكمة التجربة الإنسانية أو مشاعر الصديق الحقيقية او ماتريد كتابته احاسيسنا في النقد والطرح الموضوعي لكنه بالتأكيد أصبح صديقا” من نوع آخر صديقا” نقول له في نهاية كل حديث شكراً جي بي تي وربما نعود بعد خمس دقائق لنقول له عندي سؤال أخير والمسكين لا يعرف أن السؤال الأخير في البيوت العراقية لا يكون الأخير أبدا” لان العائلة تعودت ان تساله حتى ولوكان نوعية الطبخ .
محمد حنون















