انضباط الكفاءة في مواجهة عواصف الإدارة.. كيف صاغ الدكتور حسنين معلة خطوط الدفاع عن مؤسسات الدولة والمجتمع؟
في فترات التحول الكبرى التي تعصف بالبنى المؤسسية للدول، لا يتبقى في ذاكرة التاريخ الإداري من شغلوا المناصب لعابر الأيام، بل أولئك الذين امتلكوا شجاعة الموقف الإداري، والقدرة على التأسيس الهيكلي، وصلابة الرفض في المنعطفات الحرجة. وضمن هذا المضمار الصعب، يقف المهندس الاستشاري الدكتور حسنين فاضل معلة كعلامة فارقة في المشهد العراقي المعاصر؛ كونه يمثل الجيل الذي زاوج بين التخطيط الهندسي الصارم، والوعي القانوني والأكاديمي، والحصانة الأخلاقية الموروثة من بيئة نجفية عروبية غاصت في السياسة والقانون منذ عهودها الملكية.
هندسة التأسيس و”فيتو” النزاهة في قطاع الأبنية المدرسية
لم يكن تأسيس “المديرية العامة للأبنية المدرسية” في وزارة التربية بعد عام 2003 مجرد إجراء إداري روتيني، بل كان تحدياً بنيوياً لإنقاذ جيل كامل من واقع المدارس الطينية والدوام الثلاثي المتهالك. في تلك الحقبة الحرجة، تولى الدكتور حسنين معلة قيادة هذا الملف بعقلية المهندس الاستشاري الذي لا يؤمن بالحلول الترقيعية.
خلال أربع سنوات فقط (2004 – 2008)، تحولت المديرية تحت إشرافه المباشر إلى بلدوزر إعمار حقيقي؛ حيث وثقت الأرقام بناء 387 مدرسة جديدة كلياً، وترميم 844 منشأة تعليمية ترميماً شاملاً وجزئياً، إلى جانب تشييد الأجنحة الإضافية واقتحام أكثر المناطق تهميشاً في تاريخ الدولة العراقية وهي الأهوار.
لكن المحطة الأبرز في هذه المسيرة لم تكن في حجم الطابوق المبني، بل في “الفيتو” الإداري الصارم الذي رفعه معلة عام 2008، حينما رفض الانصياع للضغوط وتوقيع عقود “الهياكل الحديدية” والبناء الجاهز لعدم ملاءمتها للمواصفات الهندسية الوطنية، مفضلاً التخلي عن منصبه التنفيذي والوكالة على أن يلوّث سجله المهني أو يفرّط في معايير الجودة والنزاهة لحساب صفقات تجارية.
الدبلوماسية الثقافية الصادمة: انتزاع الريادة العراقية من قلب العزلة
حين انتقل الدكتور حسنين معلة لإدارة قطاع العلاقات الثقافية الخارجية وأمانة اللجنة الوطنية العراقية للتربية والثقافة والعلوم، واجه جداراً سميكاً من المقاطعة الإقليمية والعربية المفروضة على العراق، مصحوباً ببروباغندا إعلامية خارجية صورت بغداد كمدينة خارجة عن سياق العصر.
بمنطق الحركة الدؤوبة والدبلوماسية الهجومية، قاد معلة معركة حقيقية لإعادة صياغة مكانة العراق في المنظمات الدولية الكبرى (اليونسكو، الألكسو، الإيسيسكو). لم يكتفِ بإعادة تفعيل العضوية، بل نجح بالضغط والإقناع في استقدام الوفود والقيادات التنفيذية العربية والإسلامية إلى قلب العاصمة بغداد ليروا الواقع بأعينهم، محطماً بذلك عقوداً من التضليل الإعلامي.
هذه القفزة الإدارية الاستراتيجية أثمرت عن حدث تاريخي غير مسبوق، باختياره كأول عراقي يترأس المجلس التنفيذي للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، فضلاً عن نيله منصب نائب رئيس منظمة (إيسيسكو)، مما أعاد العراق رسمياً إلى منصة صناعة القرار الثقافي والتربوي الإقليمي، بالتزامن مع جهوده المحورية لإدراج ملف الأهوار على لائحة التراث العالمي.
صيانة الحواضر المدنية: نادي الصيد وحرب الهوية الاجتماعية
خارج أسوار المكاتب الحكومية، خاض الدكتور حسنين معلة تجربة لا تقل ضراوة في قيادة المجتمع المدني من خلال رئاسته لمجلس إدارة نادي الصيد العراقي على مدى قرابة عقدين. هذا الصرح البغدادي العريق، الذي نهبت وأُتلفت 70% من بنيته ومقتنياته الفنية بعد أحداث عام 2003، كان عرضة للاندثار أو الاستحواذ كبقية الحواضر والمرافق الحيوية في العاصمة.
من خلال التمسك الصارم بالآليات الدستورية والانتخابية وصناديق الاقتراع، استطاع معلة حماية النادي والحفاظ على طابعه المدني العريق. لم يجعله مجرد منتجع ترفيهي، بل حوّله إلى مؤسسة ثقافية واجتماعية ورياضية تحتضن العائلات والنخب البغدادية بمختلف أطيافها، معيداً بناء منشآته وتطويرها بمشاريع جمالية رائدة مثل “فينيسيا الصيد”، التي باتت معلماً بغدادياً يشار إليه بالبنان.
عقيدة إدارية لا تنازل فيها
إن التدقيق في المحطات المفصلية لمسيرة المهندس الاستشاري الدكتور حسنين فاضل معلة يثبت حقيقة واحدة: أن الكفاءة عندما تسندها النزاهة والشجاعة تملك القدرة على فرض شروطها وتحقيق خروقات حقيقية في جدار الأزمات. فمن قاعات التخطيط العمراني وبناء المدارس، إلى منصات المنظمات الدولية في باريس وتونس والرباط، وصولاً إلى قيادة أبرز فضاء اجتماعي في بغداد، يبقى معلة نموذجاً حياً للمسؤول الذي لم يصنعه المنصب، بل هو من منح للمنصب قيمته وهيبته من خلال منجزات شاخصة ومواقف وطنية صلبة لا تقبل المساومة.















