سلطة المنصات وتحوّلات الإعلام العربي
مصطفى طارق الدليمي /زاوية “أرشيف وطن”
في المشهد الإعلامي العربي اليوم تتبدل قواعد التأثير بسرعة غير مسبوقة وتتحول المنصات الرقمية إلى ساحة رئيسية لصناعة الخبر وتوجيه الانتباه صار الجمهور يتلقى المعلومة من الهاتف قبل الشاشة ومن المقطع القصير قبل التقرير المطول ومن المنشور السريع قبل المادة الصحفية المتأنية وهذا التحول أعاد تشكيل العلاقة بين الوسيلة والمتلقي وفرض على الإعلاميين لغة جديدة وإيقاعاً مختلفاً وطريقة أخرى في التفكير بالخبر وصياغته
أصبح الإعلام العربي الجديد يعيش بين مسارين متوازيين مسار يوسّع حرية التعبير ويمنح الأصوات الفردية فرصة الظهور ومسار آخر تفرضه الخوارزميات التي تتحكم في الوصول وتحدد ما يبرز وما يتراجع هذه الخوارزميات لا تكترث كثيراً لقيمة المادة بقدر ما تكترث بدرجة التفاعل الذي تثيره ولذلك تتقدم الأخبار الصادمة والمقاطع المثيرة والعناوين اللافتة بينما تتراجع الموضوعات العميقة التي تحتاج إلى قراءة ووقت وصبر ومع مرور الوقت باتت بعض المؤسسات الإعلامية تكتب وهي تنظر إلى المنصة أكثر مما تنظر إلى المضمون فتختصر وتكثف وتبالغ أحياناً كي تضمن الحضور في سباق الانتباه
فإن هذا التحول لم يكن خسارة خالصة فقد أتاح للإعلام العربي أن يخرج من احتكار المؤسسات الكبرى وأن يفتح الباب أمام صحفيين شباب ومصورين مستقلين وناشطين محليين وصناع محتوى وجدوا في الفضاء الرقمي فرصة للوصول المباشر إلى الناس في العراق وفي أكثر من بلد عربي ظهرت قضايا اجتماعية وخدمية وسياسية عبر منصات التواصل قبل أن تتناولها القنوات والصحف من شكاوى الكهرباء والماء إلى ملفات الفساد المحلي وسوء الإدارة والبطالة وأزمات المدارس والمستشفيات في مثل هذه الحالات صار المواطن جزءاً من دورة الخبر يلتقطه ويوثقه وينشره ثم يدفعه إلى الواجهة
هذا الاتساع في المشاركة منح الإعلام الجديد قوة حقيقية لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام أخطاء كثيرة فالمعلومة حين تنتشر بسرعة كبيرة قد تفقد دقتها والمشهد حين يُقتطع من سياقه قد يتحول إلى معنى آخر والصورة القديمة حين يعاد تدويرها قد تُقدَّم بوصفها حدثاً جديداً هنا تظهر خطورة الفجوة بين سرعة النشر وسرعة التحقق كثير من المستخدمين يشاركون ما يرونه قبل أن يسألوا عن صحته وكثير من الحسابات تبني حضورها على إثارة اللحظة لا على صدقية المحتوى لذلك صار الصحفي في هذا الزمن مطالباً بأن يكون له سبق صحفي يتخطى الفوضى وأدق من الشائعة وأهدأ من الضجيج
التحدي الأكبر أمام الإعلام العربي الجديد لا يتعلق بالمنصات وحدها انما بكيفية الحفاظ على المعنى وسط هذا التدفق الهائل فالمحتوى الذي يعيش طويلاً ليس هو الأكثر انتشاراً في لحظته بل الأكثر قدرة على أن يشرح ويقنع ويترك أثراً الجمهور اليوم يميز جيداً بين النص المصنوع والنص الحي بين المادة التي كُتبت لتملأ الفراغ والمادة التي خرجت من خبرة ورؤية ووعي ولهذا يحتاج الإعلام إلى كتابة تشبه الناس لا كتابة متكلفة أو آلية أو زائدة عن الحاجة
الإعلام الذي يريد أن ينجح في هذا العصر يحتاج إلى الشجاعة المهنية وإلى حس بصري وإلى فهم لطبيعة التلقي الجديدة من دون أن يفقد احترامه للحقيقة فالمطلوب ليس أن ينسخ منطق المنصة انما أن يستخدمه بحكمة والمطلوب ليس أن يطارد كل موجة انما أن يعرف متى يتقدم ومتى يتريث ومتى يفسر ومتى يصمت
في هذه المساحة بالذات يولد الإعلام القادر على البقاء الإعلام الذي لا يكتفي بأن يكون مرئياً بل يظل مؤثراً ومصدراً للثقة في عالم يمتلئ بالسرعة ويحتاج أكثر من أي وقت إلى الوضوح





![بمناسبة عيد الغديرــ لماذا بغض بعض المسلمين علي بن ابي طالب[ع]](https://seventhnews.com/wp-content/uploads/2026/06/IMG-20260602-WA0008-230x129.jpg)









