شرقي… عذابات
بين ثقل الذاكرة وجماليات الصورة المسرحية،،
وجهة نظر
بقلم: د. عزيز جبر الساعدي
منذ اللحظة الأولى لعرض مسرحية «شرقي… عذابات» للمخرج حسن خيون، يجد المتلقي نفسه أمام فضاء بصري مشحون بالرموز والإشارات. عمود ضوئي يشق العتمة باتجاه الجمهور، وشاب يقفز وكأنه يحاول اقتناص قرص الشمس من الأفق، فيما تتقدم مجموعة من الشباب يتوسطهم الفنان عزيز خيون وهم يحدقون بصمت نحو المتفرجين. مشهد افتتاحي طويل نسبياً، لكنه يعلن مبكراً أن العرض لا يسعى إلى تقديم حكاية تقليدية بقدر ما يراهن على الصورة والإيحاء والذاكرة.
غير أن السؤال الذي رافقني منذ بداية العرض وحتى نهايته كان: لماذا اختير عنوان «شرقي… عذابات»؟
يبدو أن العنوان لا يشير إلى الشرق بوصفه مكاناً جغرافياً فحسب، بل بوصفه حالة إنسانية وثقافية وتاريخية. فالشرق هنا محمّل بذاكرة طويلة من الانكسارات والأسئلة والانتظارات المؤجلة، فيما جاءت كلمة «عذابات» بصيغة الجمع لتؤكد أن الأمر لا يتعلق بمحنة فردية، بل بتاريخ كامل من المعاناة التي عاشها الإنسان الشرقي وهو يواجه الاحتلال والحروب والاغتراب والتبدلات القاسية في منظومة القيم الاجتماعية والثقافية.
ينتقل العرض بعد مقدمته إلى شخصية محورية يؤديها عزيز خيون، تبدأ مرتدية روب القضاء قبل أن تتخلى عنه سريعاً لتدخل في سلسلة من التحولات الدرامية التي تستحضر تاريخاً عراقياً مثقلاً بالأوجاع منذ دخول القوات الأمريكية وحتى يومنا هذا. يتنقل الممثل بين شخصيات متعددة، أبرزها شخصية السكير المنقسم بين صوتين؛ صوت داخلي يختزن القهر والخذلان، وصوت خارجي يحاول التكيف مع واقع مرتبك ومتناقض.
لكن النص، على الرغم من أهمية موضوعه، وقع أحياناً في فخ الشرح والإسهاب. فقد بدت بعض الحوارات أقرب إلى تكرار معلومات يعرفها الجمهور مسبقاً، الأمر الذي أضعف من كثافة الفعل الدرامي وجعل الأحداث تسير بخطية واضحة لا تتيح كثيراً من المفاجآت. كما أن الصمت الطويل في بعض المشاهد، على الرغم من امتلاكه دلالات فنية، أسهم أحياناً في إبطاء الإيقاع العام للعرض.
ومع ذلك، استطاع الفنان عزيز خيون بخبرته الكبيرة أن يحافظ على حضور الشخصية وتماسكها من خلال تنويع الأداء الصوتي والجسدي، مستثمراً إمكاناته التعبيرية العالية للحفاظ على انتباه المتلقي. وقد بدا واضحاً أن الممثل يحمل على كتفيه جانباً كبيراً من عبء العرض، مستنداً إلى تاريخ طويل من التجارب المسرحية التي مكنته من السيطرة على تفاصيل الشخصية وتحولاتها.
وفي النصف الثاني من العرض بدأت الرؤية الإخراجية تتجلى بصورة أكثر وضوحاً. هنا ظهر حسن خيون مخرجاً يمتلك حساً بصرياً عالياً، إذ رسم مجموعة من اللوحات المسرحية التي استطاعت أن تعيد الحيوية إلى الفضاء المسرحي وأن تستقطب انتباه الجمهور بعد فترة من التباطؤ الدرامي. لقد تحولت الخشبة إلى مساحة للصور أكثر منها مساحة للحكاية، وهو ما منح العرض لحظات جمالية مؤثرة.
كما شهدت الشخصية الرئيسية تحولات متعددة بين المثقف المأزوم والسكير الهارب من واقعه والإنسان الذي يعمل في خدمة الآخر الأجنبي، وصولاً إلى نموذج المستسلم الذي يردد عبارة «أني شعليه». وفي المقابل كانت الشخصية تستحضر بين الحين والآخر قيم الشرق المحافظة وتاريخه الاجتماعي والروحي. إلا أن المؤلف تدخل أحياناً عبر مقاطع وعظية مباشرة تناولت المرأة والمكان والزمان والهوية، وهي إضافات لم تمنح النص قوة درامية بقدر ما دفعت به نحو التفسير المباشر.
ومن الأفكار التي حاول العرض التأكيد عليها أن الغربة ليست مجرد ابتعاد عن الوطن، وأن الانتماء للمكان يتجاوز حدوده الجغرافية ليصبح علاقة روحية ووجدانية وتاريخية. وهي فكرة مهمة، إلا أنها كانت تحتاج إلى مزيد من التكثيف وإلى ثقة أكبر بالصورة المسرحية وقدرتها على إنتاج المعنى دون الحاجة إلى الشرح.
أما على مستوى الأداء الجماعي، فقد قدم الشباب المشاركون في العرض مشاهد حركية متعددة جسدت وقائع وأحداثاً بصرية اتسم بعضها بالغموض وصعوبة التأويل بالنسبة إلى جزء من الجمهور. ومع ذلك فقد أظهرت هذه المشاهد قدرة جيدة على توظيف الجسد بوصفه أداة تعبيرية داخل البنية الإخراجية.
الموسيقى كانت حاضرة بكثافة طوال العرض، وتمتلك إحساساً واضحاً بالفعل المسرحي، لكنها بدت في بعض المقاطع طويلة ومتكررة أكثر مما تتطلبه الضرورة الدرامية. أما السينوغرافيا فقد جاءت موحية ومنسجمة مع الكثير من الحوارات والأفكار التي طرحها النص، وأسهمت في بناء المناخ العام للعرض.
ورغم الجهد الواضح المبذول في جميع عناصر العمل، شعرت أحياناً أن ما أشاهده أقرب إلى «جنرال بروفة» منه إلى عرض مكتمل البناء البصري، وذلك بسبب غياب بعض المحددات الخاصة بالملابس والأزياء، فضلاً عن اعتماد عدد من المشاهد على اللوحات الجسدية المجردة التي أصبحت سمة متكررة لدى عدد من المخرجين الشباب في تجاربهم المعاصرة.
في المقابل، جاءت المؤثرات البصرية في نهاية العرض لتقدم واحدة من أجمل لحظاته وأكثرها تأثيراً، إذ نجحت في خلق حالة وجدانية عميقة لدى المتلقي. وربما لو بني العرض بأكمله على هذا النوع من التكثيف البصري، مع اختصار بعض الحوارات وتقليل المساحات الموسيقية المطولة، لكان أكثر رشاقة وقوة وتأثيراً.
تبقى «شرقي… عذابات» تجربة مسرحية جادة تسعى إلى مساءلة الإنسان الشرقي وهمومه وأسئلته الوجودية عبر لغة بصرية وإنسانية واضحة. وقد نجح العرض في تقديم عدد من الصور المسرحية الجميلة والمؤثرة، حتى وإن تعثرت بعض أجزائه تحت ثقل الفكرة ورغبة النص في قول أشياء كثيرة دفعة واحدة.
وفي الختام، لا يسعنا إلا أن نتقدم بالشكر والتقدير لكل العاملين في هذا العرض، وللفنان عزيز خيون الذي حمل عبء ، الشخصية الرئيسية،وطه المشهداني رغم صغر دوره الا ان حضوره وتذكيرنا بشخصية حكمت البلاد لم تغب عنا..، وللمخرج حسن خيون الذي قدم رؤية بصرية تستحق التأمل والحوارللكاتب ماجد مطرود، لأن المسرح في النهاية ليس إجابات جاهزة، بل أسئلة مستمرة تبحث عن معنى الإنسان وسط عذاباته وأحلامه.
عزيز جبر الساعدي،
















