طز بالحوت مثنى السامرائي
د. حسن جمعة
يمثل الفساد المالي والإداري العدو الخفي والظاهر الذي ينخر في جسد الدولة ويستنزف مقدراتها، بل ويكاد يكون التحدي الأكبر الذي تهدد شرعية النظام السياسي ولطالما انتظر الشارع العراقي بصبر مرير تلك اللحظة التاريخية التي تخرج فيها حيتان الفساد والنافذون من حصانة النفوذ إلى قفص الاتهام والعدالة.. وفي خضم هذا الترقب الشعبي والسياسي، شكل القرار القضائي الأخير صدمة مدوية؛ إذ قررت محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية تأجيل محاكمة النائب المعتقل مثنى السامرائي إلى 29 تشرين الأول الجاري، لغرض التدقيق، بعد نفي ثلاثة من الشهود علاقتهم بالوقائع موضوع الدعوى. إن هذا القرار يفتح باباً واسعاً أمام قراءة نقدية متعمقة لمناخ التقاضي في القضايا الكبرى، ويطرح تساؤلات مشروعة لا يمكن تجاوزها أو غض الطرف عنها: كيف لشهود جوهريين في ملفات فساد واستغلال نفوذ أن ينفصلوا عن أقوالهم أو ينفوا صلتهم بالوقائع بهذه السهولة المريبة؟ ألا يعكس هذا التحول المفاجئ في مواقف الشهود وجود عمليات ضغط، أو ترهيب، أو صفقات كواليس تدار بعيداً عن أضواء الشفافية لإفراغ الدعاوى من محتواها الحقيقي؟إن تأجيل جلسات المحاكمة في القضايا التي تمس المال العام وأمن الدولة الاقتصادي لا يعني مجرد ترحيل زمني لأيام أو أسابيع، بل هو في جوهره منح الفاسدين والمتنفذين طوق نجاة وفرصة ذهبية لإعادة ترتيب أوراقهم، وممارسة ضغوطهم، وطمس ما تبقى من أدلة دامغة.
المواطن البسيط الذي يرى صرامة القانون تطبق بأقصى درجات الحزم على قضايا الفئات الهشة، يتوقع بالمقابل أن تكون يد العدالة أطول وأشد صرامة عندما يتعلق الأمر بالرؤوس الكبيرة وأصحاب الحصانات والنفوذ السياسي.. إن السلطة القضائية ومؤسسات الرقابة مطالبة اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بالوقوف بحزم وصلابة أمام محاولات تمييع الحقائق أو الالتفاف على النصوص القانونية. إن الشارع العراقي يراقب عن كثب، والتاريخ لن يرحم المتقاعسين عن حماية المال العام وصون كرامة هذا الشعب الذي دفع أثماناً باهظة طيلة العقود الماضية.















