هندسة الدراما في العرض المسرحي( انسوا هاملت) للمخرج الدكتور كريم عبود مبارك ..

phplove llمنذ 41 دقيقةآخر تحديث :
هندسة الدراما في العرض المسرحي( انسوا هاملت) للمخرج الدكتور كريم عبود مبارك ..

هندسة الدراما في العرض المسرحي( انسوا هاملت) للمخرج الدكتور كريم عبود مبارك ..

الدكتور : حيدر علي الاسدي ( ناقد واكاديمي عراقي

قدمت فرقة تواصل المسرحية عرضها المسرحي (انسوا هاملت) من تأليف جواد الاسدي وإخراج الدكتور كريم عبود المبارك وسينوغرافيا الدكتور علي السوداني، ومساعد مخرج حسام المبارك ، والإدارة المسرحية العباس عبدالسادة . اما فريق الأداء التمثيلي فقد أدى دور هاملت (سلام الفرطوسي) ودور الملك (الدكتور اسعد عبدالرضا) ودور كلوديوس (علي المكصوصي) ودور الملكة (د.خلود جبار) ودور اوفيليا (رنا جابر لازم) ودور الحاجب (د.عبدالله عبد علي) ومشاركة زيد الكريدي والفنان احمد الشمالي والدكتور عبدالزهرة سامي وانتظار حسن وجعفر علي ومحمد عبدالحي وكرار حيدر وايا الحسن الشمري ومصطفى رعد بقية الأدوار اما في المجال التقني فكان احمد الغانمي وعلي سلمان وحسام المبارك وحسين الزبيدي وكاظم الموسوي،وقدمت في نقابة الفنانين فرع البصرة. في بادئ الامر مع العتبة الاولى (انسوا هاملت) اذ يقدم المؤلف قراءة مغايرة لشخصية هاملت الشكسبيرية في محاولة تقديم صورة جديدة لهاملت في معرض اسقاط هذه الفكرة على الوضع السياسي العربي، فيتحول هاملت الثائر الباحث عن ثأر والده الى شخصية باردة لا تكترث لهذه المأساة ولا ترى للحقيقة فاعلية في سلوكها ، فالدعوة افضاء الى (نسيان/هاملت الثائر بوجه السلطة) وحضور هاملت المستسلم للسلطة (الاستبدادية/كلوديوس واسقاطه على الحكام العرب الطغاة) هي احالة تمثل (عجز المثقف العربي) لمجابهة السلطة وذلك من خلال تقديم صورة لهاملت برمزيات المثقف المعاصر المستسلم لطغيان السلطة وعبثها ،النسيان هنا /نسيان لماضوية ثائرة بحمولتها الفكرية ومواجهتها الشجاعة، لتكشف عن عري ذاتوية المجتمع (الحالي/ العربي) وهو يمارس هامشيته برضا تام في ظل السلطات المستبدة. حاول المخرج من تقديم النص بصورة اقرب الى الدراما الهندسية من خلال تحويله للأفكار والمشاعر والصراعات الذاتية والخارجية الى خطوط ومسارات مرئية محسوبة بدلالتها النفسية وتشكلاتها الميزانسينية، فعمد لإنتاج فضاء معماري بأشكال هندسية ليحضر الممثل عبر اداءه ضمن هذا الفضاء الهندسي ضمن بنى ثقافية تشكل حضور أجساد الممثلين وتحركاتهم الهارمونية مع ابعاد اشكال المفردة الديكورية ليتأطر الأداء الحركي عبر هذا النظام الهندسي في العرض المسرحي، فيشعر المتلقي انه إزاء طاقة صورية ترتكز على توزيع الإضاءة والمفردات الديكورية بأشكالها الهندسية (دائرة/ نصف دائرة/ مستطيل/ خط مائل/مربع) لتحمل المشاهد ثنائيات دالة في بعدها السيكولوجي والسيسولوجي (السواد/ البياض) (الام/ اوفيليا/ عبر الأزياء) والاضاءة المتضادة (ابيض/اسود)( ابيض/ احمر) (الفرد / الجماعة) عبر تحركات الممثلين الموازية والمتزامنة (المركز/ الهامش) (صوت السلطة/ صوت الهامش) حتى الاقواس الضوئية تضع الممثل بحالة من الدلالة والتحول النفسي ما بين (صوت الهامش/ صمت الهامش) ودوران المصير المتأسس من الشكل الهندسي الدائري الذي يعيد انتاج بعده الفكري على امتداد العرض (الطاولة الدائرية/ قطعة القماش) حتى تشظي هذه الدائرة لنصفين هو تحول هندسي دال في بعده الجمالي والفكري داخل فضاء العرض الدرامي اذ اعتمد المخرج كريم عبود المبارك وببراعة السينوغرافي المتميز الدكتور علي السوداني على تكوينات متناظرة على المستوى الهندسي واشتغالها على المستوى الفكري لهذا التناظر. وكذلك على (اعلاء سلطة المركز وهيمنته/ ومقاومة الهامش) ليخلق من الفضاء البصري البعد الدال لتحريك النص من مدونته المسطورة الى عيانيته البصرية ليتحول العرض المسرحي برمته الى علامة تكشف عن (السلطة السياسية الحاكمة) وصناعتها داخل بنى المجموعة (المجتمع/ خضوعه كهامش) وحتى الطاولات التي تفصل بينهما هي دلالة هندسية أخرى لهذه العزلة والخضوع والبون بين سلطة المركز والهامش، ليتحول المكان عبر تأثيث الصور الى سردية بصرية تفضي الى معاني النص المسرحي وتشتبك مع قراءة مغايرة لشخصية هاملت. إن هذا التعاضد الصوري لمتن النص انما متأتي من القراءة الدقيقة وإعادة تفكيك المرجعية النصية التاريخية التي يتناقض معها المؤلف بقراءته الأولى لتأتي القراءة الثانية وتحول المعنى الى تشكلات بصرية لا تستغني عن النص وان كانت في بعض الأحيان تميل الى التزام المتن التاريخي اكثر من الاسقاط على اللحظة الراهنة . إلا ان هذا لا يمنع من بناء العرض المسرحي بعناصر تسهم بتشكل الجانب النفسي للحوار عبر التقنية (الألوان ودلالتها) التي تشيء بالإحساس بالغرابة او المسافات الحلمية كما في (الإضاءة الزرقاء) او التوتر اللوني المشحون بالصراع والدم (دلالة اللون الأحمر) او نقاء النوايا وقصدياتها المقاومة (الأبيض)، ان العرض حاول ان يفكك علاقة (الانسان/هاملت) بالسلطة ومقترباتها من منظور فكري فلسفي من خلال تحويل الفضاء لبنية فاعلة الدلالة عبر (توزيع حركة الممثلين/ الإضاءة/ القطع الديكورية بأشكالها الهندسية) لتشتبك هذه العناصر بحمولتها الجمالية والفكرية بتقديم معنى الى المتلقي قائم على العلامة التكاملية في العرض المسرحي عبر بناء خطاب بصري درامي متكامل. فكانت اللغة البصرية موازية للمتن النصي في هذا العرض المسرحي (الاشكال الهندسية وحدودها ورمزياتها المعرفية والجمالية بما تحمل من دلالات اجتماعية وسياسية) لتسهم هذه الاشكال الهندسية الدرامية في محاولة ترميم فوضى العالم المتناقض فقد عمد العرض على القراءة اللونية للحالة الشعورية والنفسية للشخصيات وناغم ذلك ببناء تراتبي منطقي للمفردة الديكورية ليتكشف الصراع الداخلي عبر هذه الهندسة البصرية امام المتلقي عبر ثنائيات خلقت البناء الدرامي بوظيفة تأويلية واحالية دالة من خلال علامات العرض المسرحي الموظفة والتي ابرزها تلاحم الفعل الدرامي مع الهندسة الجسدية في الأداء التمثيلي خلال هذا العرض المسرحي لينجح المخرج بوضع منظومة العلاقات الاجتماعية في هذا النص وعبر الأداء الجسدي ضمن بناء منطقي هندسي (جسد داخل الاشكال الهندسية/ جسد خارج الاشكال الهندسية)..حركة مستقيمة/ حركة مائلة) (دائرة متكاملة/ دائرة منقسمة). فقد هندس المخرج كريم عبود هذه العلاقات التي تربط الشخوص المسرحية مع بعضها البعض ، فالنص ساهم بتفكيك الواقع العربي على المستوى السياسي والنفسي والمخرج نجح في تحويل هذا التفكيك الى قراءة بصرية ليقدما دعوة الى نسيان هاملت شكسبير والبحث عن هاملت واقعنا العربي ومن ثم محاولة هدم هذه الصورة لهاملت الجديد، فالنسيان هنا تبدو إحالة لنسيان الحقيقة والتاريخ ونسيان الضحايا، فهل حاول العرض البحث عن ذاكرة عادلة بتعبير الفيلسوف الفرنسي (بول ريكور)؟ لأن العرض لم يبنى حدثه المتصاعد الا على الإحالة لواقعنا المزري المأزوم . ومن امثلة الإشارة الى ذلك الاسقاط (للإطاحة بنا/ اه يا ويلي اه يا ويلي على بلدي) (بنا/ نحن) (بلدي/ ياء التملك) المشحونة ببعدها السياسي ، وقد تميز الفنان علي المكصوصي بأداء شخصية الملك كلوديوس بصوته المتميز واداءه العالي ، كذلك التجسد لهذا الخنوع والاستسلام في برود هاملت جواد الاسدي ومغايرته لهاملت شكسبير يجي في الحوار الاتي: ( قتل ابي ام لم يقتله فالأمر عندي سيان) ويبرر كذلك (القتل ليس دليلا كافيا على دموية كلوديوس) وكذلك (مات ..سنموت…درب طويل من الموت…تلك هي قصيدة العدم) قد ظهر هاملت الخائف المسالم الحكيم بهذه النسخة على عكس هاملت شكسبير . وكذلك لابد من الإشادة بدور الدكتور عبدالله عبد عبد علي وانسجامه العالي مع البعد النفسي لشخصيته وهو يمثل الصوت المداهن للسلطة ومحاولة اقناع الهامش او الصوت المعارض بقوة مركزية السلطة : (لم يكن قويًا كالملك كلوديوس) في حديثه عن والد هاملت، وتمثل شخصية اوفيليا صوت المعارض المناهض لذلك الصوت السلطوي (تقتل ابناءك من اجل مملكة عفنة) جدلية الحياة والموت هي الثنائية الأخرى المهينة كما في مشهد هاملت والام، وكذلك (النوم/ اليقظة) بمعنى الصمت والوعي لتجيء لحظة تكشف حقيقة هذه السلطة بصرخة الام المشاركة بجريمة القتل (ام هاملت الملكة) (لقد حولت الحياة الى بركة دم قذرة) هذه البركة المقتبسة من المرجعية الواقعية للحياة (وما جرى على هامش القاع من مجتمعنا) هي ذاتها لحظة التمثل في بقعة الدم المتكررة بصريًا في فضاء هذا العرض المسرحي والتي كان يقطن فيها كلوديوس ويتحرك في فلكها بأغلب لحظاته ، هي سلطة الدم التي تقوم عليها سلطة (الكرسي) السلطة الجائرة المستبدة القائمة على القتل والاقصاء والتهميش. كذلك لابد من الإشادة بدور هاملت (سلام الفرطوسي) فقد ابدع في شخصية هاملت ومسك بالكامل البعد النفسي والصراع الداخلي لهذه الشخصية المسالمة ، كما ان المخرج استخدم الشاشة بصورة تقنية ممتازة انسجمت مع السياق الدرامي فلم تكن ثمة فوائض في التقنيات او المشاهد الحركية المتراتبة مع الفعل الدرامي ما عدا بعض التمسك بتاريخية الحدث والمقطوعات الموسيقية التي بدا بعضها لا ينسجم مع الحالة الشعورية والانثيالات الذاتية للشخصيات المسرحية وهي تبرز وجهات النظر المتباينة وتعبر عن هوياتها وماسيها وفقا لتمثلاتها الطبقية. فهل حققت سلطة كلوديوس ما تحدث عنه الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز بخصوص الدولة التي لها الحق في امتلاك القوة والعنف لضمان استقرار المجتمع والامتثال لسلطتها، فهذا ما يتمثل في شخصية الحاكم المستبد (كلوديوس/واشباهه الكثير في واقعنا) انه العرض الذي قدم لنا صورة (التخاذل إزاء الحق والحقيقة/ الركون للصمت) إزاء ( التفرد بالسلطة بسياط العنف والموت والمبالغة في دعم هذا البقاء والاعتلاء على دفة الحكم والتمسك بالحاكمية بحكم السيف والدعم) رغم وضوح (حقيقة) فعل القتل للكل!!. كل الحب والاحترام للجهود المبذولة ولهذه الإضاءة الجمالية في بصرتنا وما احوجنا لمثل هذا الجمال لنلون فيه حياتنا التي بدت في سنواتها الأخيرة حالكة الظلام…

 

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

الاخبار العاجلة