إرادة تتحدى الواقع
هل خدمات وزارة العمل تكفي لتلبية احتياجات
الأشخاص ذوو الهمم؟
وئام قاسم
فجوةٌ بين واقعٍ محتومٍ وانتظارٍ محسومٍ , لا يزال ُ الأشخاصُ من ذوي الإعاقةِ يحملون َ انجازاتهم بإرادةٍ لا تنكسر , ويجعلونَ من خطواتهم مثالاً للقوةِ والطموح ولكنْ تلكَ الخطوات محفوفةٌ بتحدياتٍ مثلَ : نقص الخدمات وقلة الفرص وارتفاع تكاليف العلاج والتأهيل وصعوبة الوصول إلى الدعم المالي الحقيقي , وهنا يبرزُ سؤال لا يزالُ يبحثُ عن إجابة هل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية تقدم خدمات تلبي احتياجات كافة الاشخاص ؟
وهذا التحقيق للكشف عن التحديات التي يواجهها الأشخاص ذوو الهمم وانجازاتهم , وللبحث عن اجابةٍ لا تزالُ غيرَ واضحةٍ .
أبطال العراق خارج نطاق الدعم الكامل
زينب حسن , مواليد 2002 والتي تسكن في بغداد وهي لاعبة تنس طاولة وطالبة إدارة اعمال , تعاني من إعاقة منذ الولادة , ولكن الإعاقة لم تقف في وجه طموحها حيث أن زينب حصلت في مسيرتها الرياضية على جوائز عديدة منها :المركز الثالث على اسيا عام 2017 و 2018 , وذهبية الأردن الدولية وفضية تايلند عام 2019 , وأيضا ً فضية وبرونزيه تايلند بالفردي والفرقي ب2020 وغيرها , وحصولها عالمياً على التصنيف 16 .
أوضحت زينب أنه بسبب وضعها الصحي واجهت الكثير من المشاكل حيث قالت: “واجهت مشاكل كثيرة بسبب رداءة الأطراف الصناعية وحاجتي الى أطراف رياضية واكثر من مرة انكسر طرفي في البطولات وابرزها في بطوله اسيا اندونيسيا”, وبسبب عوق يديها و احتكاك المضرب بيدها باستمرار كانت تتنافس ويدها تنزف الدماء , وأن راتب الرعاية التي تحصل عليه من الدولة للمعاق والذي يبلغ 120 الف لا يكفي للعلاجات والأدوية التي تحتاجها .
وعلى الرغم من دعم وزارة الشباب والرياضة والدعم الخارجي فإن اللاعبين يشترون المعدات على حسابهم الشخصي , وعليه أكدت زينب أنها تشتري المعدات والملابس وكل ما تحتاجه على حسابها من دون تدخل أي دعم , وبسبب عدم إقرار الموازنة لسنتين اضطرت للسفر والذهاب للتمرين أيضاً على نفقتها الخاصة وبدعم من اخوانها , وبالتالي قلت المشاركات والمعسكرات مما أدى الى نزول المستويات بسبب قلة الاحتكاك .
وكشفت اللاعبة أن الوزارة تصب اهتمامها الكامل نحو كرة القدم دون النظر إلى الابطال أمثالها فليس لهم الدعم والمكان المناسب , وعبرت بالنهاية أنها مؤمنة بنفسها لكي تصنع معجزة نادرة في تاريخ العراق و العالم .
موهبة تتحدى الواقع والقوانين
مجتبى ميثم , فنان تشكيلي ذو موهبة تذهل العقول , عمره 26 عاماً بدأ مشواره الفني منذ عام 2019 , وأشار مجتبى أنه يحب الرسم من صغره ولكن تطويرها لم يكن سهلاً خاصة أنه يعاني من صعوبة في الحركة ولكن لا شيء يقف أمام الإصرار والتحدي حيث كان يتدرب كل يوم ويتعلم من أخطائه حتى اصبح لديه أسلوب خاص بالرسم , ولفتَ أن سبب دخوله السوشيال ميديا لانه آمن أن الفن يستحق الوصول لاكبر عدد من الناس ؛ولا يخفي مجتبى أن توثيق رحلته , ألهم غيره وزرع بذور الأمل داخل كل من تابعه وأثبت أن الإصرار والعزيمة يصنع الفرق مهما كانت التحديات .
وعليه أوضح مجتبى أنه لا يحصل على أي دعم من المؤسسات او الحكومة وأن راتبه البالغ 125الف دينار عراقي وهو راتب الرعاية الذي يتلقاه لا يكفي مطالباً زيادة بالراتب والحصول على بيت مناسب له , مشيراً أنه يعاني من المكان الذي يسكن به ومن عدم فهم الناس لوضعه الصحي ولا لأفكاره .
وفي المقابل تحدث عن بداياته قائلاً “بصراحة، في البداية كان هناك أناس يركزون على إعاقتي أكثر من موهبتي، لكن مع الوقت جعلتُ أعمالي هي التي تتكلم عني. اليوم أحب الناس أن تراني أولاً كفنان، وبعدها تعلم أني من ذوي الهمم. إذا كانت قصتي تلهم غيري فهذا شيء أفتخر به، لكن هدفي دائماً أن يكون التقدير على جودة فني واجتهادي، لأن الإبداع لا يعرف إعاقة” , وتابع مجتبى كلامه عن القوانين الخاصة بذوي الهمم أنها تحمل نقاط إيجابية هدفها حماية الحقوق ولكن ” التحدي الحقيقي هو التطبيق على أرض الواقع “, لأن تطبيقها بشكل صحيح “يفتح فرصاً حقيقية في العمل والتعليم والثقافة ويعطي كل شخص حقه ويشارك في المجتمع على قدم المساواة ” .
متلازمة داون بين السعي لتوفير الخدمات ونقصها
أطفال متلازمة داون ليسوا مجرد حالة أو تشخيص بل هم أطفالٌ لهم أحلام مثلنا ويمتلكون مشاعر الحب والحزن وقدرات تستحق أن تحصل على فرصة عادلة وحياة هادئة مثل أي طفل , وعليه عبرت إيناس حسن وهي أم للطفلة روانه من متلازمة الحب , عن بداية معرفتها بأنها انجبت طفلة من متلازمة داون وكم كان الخبر صعباً ؛ ولكن مع الوقت أصبح هدفها الوحيد هو توفير كل فرصة حتى تعيش روانه حياة كريمة وتحقق قدراتها , وتستذكر إيناس خلال كلامها أن “حياتي تغيرت بالكامل اصبحت أتعلم كل يوم شيء جديد عن متلازمة داون، وأبحث عن العلاج والتأهيل والتعليم المناسب, أصبحت رحلتي كلها تدور حول تطوير ابنتي والدفاع عن حقوقها وحقوق كل الأطفال مثلها”.
وكشفت ايناس عن تعامل المدرسة والمجتمع مع طفلتها أن “هناك أشخاص يتعاملون معها بمحبة واحترام، وهذا يسعدنا كثيرًا، لكن ما زلنا نحتاج إلى وعي أكبر داخل المجتمع فكلما زاد الوعي، قلت نظرات الاختلاف، وأصبح أطفالنا أكثر اندماجًا وقبولًا”, وتو ضح أم روانه جانباً من التحديات والعقبات التي تواجهها مثل : قلة المراكز المتخصصة وارتفاع أسعار الجلسات الأكاديمية والعلاجية، إضافة إلى صعوبة التنقل بين العمل والمراكز , وأيضاً كثرة الإجراءات في المؤسسات الحكومية والانتظار الطويل وعدم توفر الخدمات في مكان واحد, وهذا يستهلك الوقت والجهد , وأكدت أن نقص الخدمات يؤثر على مستقبل ابنتها لان طفل متلازمة داون بحاجة إلى التدخل المبكر من حيث الاستمرار في التدريب من قبل مختصين وفي المنزل والتشجيع في كل خطوة والايمان بقدراتهم , ومن جهة القوانين والخدمات لفتت إيناس أن ” الخدمات الحالية لا تغطي احتياجات الأطفال وأسرهم, نحن بحاجة إلى مراكز تأهيل حكومية متخصصة، وتعليم دامج حقيقي، وكوادر مدربة، ودعم مستمر يخفف الأعباء عن العوائل” .
نقص الخدمات- الحقيقة المخبأة بين الخطط والعقبات
في ظلِّ الظروف المالية المتفاقمة , وكثرة الشكاوي من نقص الخدمات بحقِّ الأشخاص من ذوي الهمم , عبر المدير العام لدائرة الاعلام والعلاقات العربية و الدولية في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية الأستاذ كاظم العطواني أنَّ” الوزارة والهيئة تعمل ضمن التخصيصات والموارد المتاحة، وتسعيان إلى تعزيز الإمكانات المالية والبشرية بما يتناسب مع حجم الاحتياجات والتوسع في تقديم الخدمات”, مؤكداً أن التحديات والعقبات التي تواجه الوزارة كثيرة منها :” اتساع أعداد المشمولين، وتنوع احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، والحاجة إلى توسيع برامج التأهيل والتدريب والتشغيل، وتطوير البنى التحتية والخدمات بما يضمن سهولة الوصول إليها ” .
واكمل كاظم حديثه عن العقبات التي تحول دون دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في سوق العمل” كمحدودية فرص العمل المناسبة، وعدم تهيئة بعض بيئات العمل، والحاجة إلى تدريب يتناسب مع متطلبات سوق العمل، فضلًا عن ضعف الوعي لدى بعض أصحاب العمل بقدرات الأشخاص ذوي الإعاقة”, مشيراً الى الزام القطاع الخاص والمختلط بتشغيل الأشخاص ذوو الاحتياجات الخاصة بنسبة 3% وفق الضوابط القانونية .
وفي المقابل كشف الاستاذ كاظم عن الخدمات والخطط التي تقدمها الوزارة وتسعى إليها وتشمل التأهيل الطبي والمجتمعي والتربوي والمهني والتدريب التشغيل, فضلاً عن” راتب المعين المتفرغ الذي بلغ عدد المستفيدين منه 394,385 مستفيداً مع استمرار عمليات التحديث والشمول “فيما يختلف اعداد المستفيدين من برامج الاعانة الاخرى , موضحاً أن الوزارة تدرك جحم احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة وأن الدعم يحتاج إلى أن يتناسب مع الظروف المعيشية , حيث تعمل على” توسيع الشمول وتحديث البيانات وتحسين آليات تقديم الخدمات، أما تعديل قيمة راتب المعين المتفرغ فيرتبط بالتشريعات والتخصيصات والقرارات الحكومية، مع وجود صلاحية قانونية لإعادة النظر في قيمته”.
وعليه أشار الى خطط الوزارة القادمة في تطوير خدمات التأهيل وتعزيز التشغيل ودمج الأشخاص في سوق العمل وتوسيع الخدمات الالكترونية وتحديث قواعد البيانات وتفعيل الحقوق الامتيازات القانونية وتعزيز التعاون مع القطاع الخاص فضلاً عن دعم مشاريع الأشخاص الموهوبين من ذوي الهمم من خلال إبراز مواهبهم في المبادرات.
واختتم كلامه بدعوة القطاع الخاص إلى النظر إلى قدرات ومهارات الأشخاص ذوي الإعاقة وليس إلى إعاقتهم والالتزام بالنسبة القانونية المقررة للتشغيل، وتوفير بيئة عمل مناسبة تتيح لهم المشاركة والإنتاج والاستقلال الاقتصادي.
وفي النهاية لا أحد منا يحتاج الى الشفقة بقدر ما نحتاج إلى حياة كريمة تخلو من الاختلاف والتفرقة وإن الأشخاص من ذوي الإعاقة يجب النظر إليهن لا كعبء بل كإنسان يشبهنا ,إنسان يُعتَبَرُ اختلافه ميزة في المجتمع , فالاعاقة ليست نهاية الطريق لكن نقص الدعم يجعل الطريق أصعب وأثقل على الشخص وعلى أسرته , ويبقى السؤال الأكثر أهمية بالرغم من خدمات الوزارة وخططها هل سيأتي يوم يحصل فيه أصحاب الهمم على حقوقهم كاملة دون نقص ؟.















