“النقيب الكذاب” للدكتور عزيز جبر يوسف تحصد تقديراً عاليا في فعالية ثقافية …
ضمن اهتمامه بتوثيق التجارب الإنسانية المرتبطة بالحروب والصراعات، خُصصت لمناقشة دور القصة القصيرة المكثفة في استعادة الذاكرة الجمعية وتوثيق الوقائع والأحداث التي عايشتها الأجيال السابقة، لتبقى حاضرة في وعي الأجيال التي لم تشهد تلك المراحل وما حملته من تحولات وتحديات.
وشهدت الفعالية مشاركة واسعة لعدد من الأدباء والمثقفين من مختلف بلدان العالم، حيث أرسل المشاركون نتاجاتهم السردية إلى النادي، متناولين تجارب إنسانية وحياتية ارتبطت بالحروب وما خلفته من تأثيرات نفسية واجتماعية وثقافية.
وفي الحفل الذي اتسم بأجواء ثقافية احتفائية، برزت قصة “النقيب الكذاب” للفنان والأكاديمي العراقي الدكتور عزيز جبر يوسف بوصفها واحدة من الأعمال المتميزة التي لاقت اهتمام لجنة المتابعة ، لما انطوت عليه من معالجة فنية مكثفة لتجربة واقعية عاشها المؤلف، ولما حملته من قدرة على استحضار مفارقات الحرب وأسئلتها الإنسانية العميقة، عبر سرد مقتضب ومؤثر يفتح الباب أمام تأويلات متعددة.
وقد عدّ ت لجنة النادي الثقافية أن القصة تمثل نموذجاً للقصة القصيرة جداً التي تنجح في تحويل واقعة فردية إلى ذاكرة جماعية، وتمنح الأجيال اللاحقة فرصة للتأمل في تفاصيل قد تبدو عابرة، لكنها تكشف جانباً مهماً من حقيقة الحروب وما تتركه من أثر في الوعي الإنساني.
وبهذه المناسبة، يقدم القسم الثقافي في مؤسستنا بالتهنئة إلى الدكتور عزيز جبر يوسف على هذا التقدير المعنوي، الذي يسهم في إثراء الذاكرة الثقافية المشتركة وتوثيق التجارب الإنسانية التي تستحق أن تُروى وتُحفظ ويسرنا نشر هذه القصة القصيرة مع اجمل التهاني..
( النقيب الكذّاب.)
.قصة قصيرة من لهيب المعارك
بقلم : د.عزيز جبر يوسف
في أشد أيام الحرب اشتعالاً، وصلنا أمر بالانسحاب إلى الخطوط الخلفية. لم يكن الطريق سهلاً؛ الصواريخ تتساقط، والعدو يتقدم، والموت يراقب كل خطوة. ركضنا أكثر من عشرين كيلومتراً حتى بلغنا نقطة تفتيش تابعة لجيشنا.
استقبلنا نقيب جميل المحيا بزي القوات الخاصة. سألنا بحدة:
إلى أين؟
أخبرناه بأمر الانسحاب.
هز رأسه وقال:
لدي أوامر بإعدام كل من يترك الخطوط الأمامية… وأنتم أول المهزومين!
حاولنا شرح الموقف، لكنه أصر على موقفه. وبعد دقائق وصل رائد من أحد أفواجنا مع مجموعة من المقاتلين. كرر النقيب كلامه، فابتسم الرائد ساخرًا.
فجأة صاح النقيب:
نائب ضابط ياسر! اذهب إلى القائد وأخبره بما يجري.
انطلق ياسر بدراجته النارية، ثم عاد بعد دقائق وهو يهتف:
سيدي! القائد يقول: نفذ الإعدام بالرائد ومعيته فوراً!
تغيرت الوجوه، وساد الصمت.
أما النقيب فقال للرائد بنبرة الواثق:
سمعتَ الأمر؟
ثم التفت إلينا فجأة:
اصعدوا في أول سيارة تمر… سأخالف الأوامر من أجلكم هذه المرة.اصعدوا هذه( الايفا)
صعدنا السيارة، لكنها كانت عائدة إلى حيث أتينا. وبعد مسافة قصيرة قررنا ألا نرجع إلى الجبهة مرة أخرى. نزلنا منها وهي تسير، وسلكنا طرقاً ترابية ملتوية أملاً في تجاوز نقطة النقيب والوصول إلى الخلفيات العسكرية.
وبعد ساعات من التعب والخوف، أوقفتنا شاحنة عائدة إلى الخلف. صعدنا مطمئنين، وما إن تحركت حتى وجدنا أنفسنا مرة أخرى أمام النقيب نفسه!
صرخ بنا:
ما الذي أعادكم؟
وقفنا صامتين لا نعرف ماذا نقول.
وقبل أن يتطور الموقف، دوّى هدير طائرات العدو في السماء، فصاح:
تفرقوا!
ركض كل منا لينجو بنفسه، واختفى النقيب كما اختفينا.
أنا وأحد رفاقي واصلنا الركض بأقصى ما نستطيع نحو الخلفيات، حتى وصلنا أخيراً إلى إحدى وحداتنا منهكين، نجر أقدامنا من شدة التعب.
هناك كانت المفاجأة.
وجدنا أسماءنا معلقة على لوحة المفقودين.
أما الرائد الذي صدر أمر إعدامه أمامنا، فلم نعرف عنه شيئاً بعد ذلك اليوم.
ومرت سنوات طويلة، وانتهت الحرب، وتبدلت الوجوه والرتب والبلدان، لكن صورة ذلك النقيب ظلت عالقة في الذاكرة؛ بملامحه الهادئة، وأوامره الصارمة، وأكاذيبه التي كانت تشبه الحقائق.
فما زلنا حتى اليوم لا نعرف:
هل كان يكذب علينا؟
أم كان يكذب على الحرب نفسها…
ليمنح بعض رجالها فرصة أخرى للحياة؟
د.عزيزجبريوسف.














