مكافحة الفساد.. وثبة في ملف بناء العراق
بقلم : د. خالد قنديل
خطوة عراقية جرئية تناسب هذا التطلع المصحوب بالعزيمة والإصرار على بناء الدولة، خطوة يمكن اعتبارها وثبة نوعية في مسيرة هذا البناء التي بدأت خلال السنوات القليلة الماضية، وتتركز في تلك الحملة الوطنية الشجاعة التي شنتها السلطات على منابع وبؤر الفساد ومصادره، وطالت مسئولين ونوابًا تورطوا بالفساد والتجاوز على المال العام، لتكون رسالة ردع حملت في طياتها رسائل عدة موحية موجهة إلى الداخل والخارج معًا.
الحملة التي قال عنها رئيس وزراء العراق إنها مرحلة أولى من صولة أكبر في مسار مكافحة الفساد واسترداد المال العام، وأنها “مكلفة العراقي”، واعتبرها مسئولة بحماية مصالح الشعب ولا تهاون في هذه المسئولية، والتي تأتي قراراتها الجريئة قبيل زيارة مرتقبة للزيدي إلى واشنطن منتصف يوليو الحالي، طالت نحو خمسين مسئولًا بينهم أعضاء سابقون وحاليون وسابقون بمجلس النواب، تقول بوضوح إن المناصب النافذة والشخصيات السياسية رفيعة المستوى، مهما كانت لن تقف حجر عثرة أمام الحلم العراقي في بناء دولة قوية وقادرة وعصرية وتؤمن بثقلها وتأثيرها الحضاري والتاريخي والجغرافي والسياسي، ولعل رسالةً أخرى موجهة للخارج الذي ينتظر من الزيدي إجراءات أكثر حزما في الحد من نفوذ الميليشيات المسلحة التي تتحرك خارج الإطار الرسمي للدولة، وربما كانت بعض أوجه الفساد تعين هذه الفصائل في تحركاتها.
لا شك أنها إجراءات رادعة، ويكفي للتدليل على ذلك معرفة أنه تمت مصادرة نحو أكثر من خمسةٍ وثمانين مليون دولار في إحدى قضايا الفساد المرتبطة بوكيل وزارة سابق، فضلا عن ضبط كميات كبيرة من الذهب، وسيارات فارهة وعقارات، ليسترد العراق أمواله العامة، مسهمًا في تخفيف الضغوط على الموازنة ومن ثم إنعاش أحوال الشعب الاقتصادية، وكذلك تعزيز الثقة في المؤسسات الوطنية، وكذلك لإعطاء الأمل للأجيال العراقية الشابة في مستقبل عراقي مغاير وفارق عن عقبات الماضي، فقد فاض الكيل بالعراق المثقل بالأوجاع، ولا سبيل لمزيد من العقبات أمام دولة تستأهل مكانة لائقة بكل مكوناتها، ومن هنا نفهم لماذا صرح رئيس الوزراء العراقي في مواقف سابقة بأن الأوضاع “لم تعد تحتمل الصمت أو التأجيل”، وأن الحكومة عليها أن تتحمل مسئوليتها تجاه مستقبل العراقيين، تلك المسئولية التي تفرض حماية المال العام، وطمأنة الشعب العراقي، إلى أن أموال العراق سوف تخدم مصالح شعبه.
إن الفساد في الواقع ليس نوعًا من السرقات العابرة أو هدرًا للأموال فقط، لكنه بالنسبة للعراق بمثابة تهديد وجود حال استمراره وتفشيه وعدم التصدي له، والعراق الذي حمل لعقود طويلة أعباء الحروب والصراعات والإرهاب والاحتلال والانقسامات السياسية، يبدو اليوم أكثر إدراكًا من أي وقت مضى أن بناء الدولة لا يبدأ بإقامة الجسور والطرق والمشروعات فحسب، وإنما يبدأ قبل ذلك ببناء مؤسسات قوية، واستعادة هيبة القانون، وتجفيف منابع الفساد التي تستنزف مقدرات الوطن وتؤخر أحلام مواطنيه. ويمضي العراق منذ سنوات في مسار متدرج لإعادة صياغة مفهوم الدولة الحديثة، عبر إصلاحات اقتصادية وإدارية وأمنية متوازية، تستهدف تجاوز ميراث ثقيل من الاضطرابات، والانطلاق نحو مرحلة يكون فيها القرار الوطني أكثر استقلالًا، والمؤسسات أكثر فاعلية، والتنمية أكثر استدامة. وفي قلب هذا المشروع الوطني تبرز حملة مكافحة الفساد باعتبارها ليست مجرد إجراءات قانونية أو ملاحقات قضائية، وإنما معركة وجودية ترسم الفارق بين دولة تنهض بثقة، وأخرى تبقى أسيرة شبكات المصالح والنفوذ، لأن الفساد لا يسرق فقط الأموال العامة، بل يسرق الزمن، ويبدد فرص الاستثمار، ويضعف ثقة المواطن في مؤسسات بلاده، ويخلق بيئة طاردة للكفاءات ورؤوس الأموال، ويجعل أي مشروع تنموي معرضًا للفشل قبل أن يبدأ. ولذلك فإن مواجهته تمثل في حقيقتها دفاعًا عن مستقبل العراق، وعن حق الأجيال القادمة في دولة تمتلك مواردها وتوظفها لخدمة المجتمع، لا لخدمة جماعات النفوذ أو شبكات المحسوبية، وهذا النهج الذي اتخته الدولة والإجراءات الأخيرة في ملاحقة الفاسدين وتشديد الرقابة على المال العام وتعزيز استقلالية الأجهزة الرقابية والقضائية، تأتي كخطوة أصيلة في مشروع استعادة الدولة، إذ أنها تعيد الاعتبار لمبدأ المساواة أمام القانون، وتؤكد أن المنصب العام تكليف لا امتياز، وأن المال العام أمانة لا غنيمة.
ولا يمكن فصل هذه المعركة عن الملفات الوطنية الكبرى التي يعمل العراق على ترسيخها في المرحلة الحالية. فالدولة التي تحارب الفساد هي ذاتها الدولة التي تسعى إلى حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، لأن احتكار الدولة للقوة الشرعية يمثل أحد أهم أركان السيادة. فلا استقرار سياسي أو اقتصادي في ظل تعدد مراكز القرار الأمني، ولا يمكن جذب الاستثمارات أو بناء اقتصاد متين في بيئة يختلط فيها النفوذ السياسي بالقوة المسلحة خارج إطار الدولة. إن ملف حصر السلاح لا ينفصل عن ملف مكافحة الفساد، فكلاهما يستهدف إعادة السلطة إلى مكانها الطبيعي داخل مؤسسات الدولة، وإعادة الثقة بين المواطن والنظام العام، بحيث يصبح القانون هو المرجعية الوحيدة، لا موازين القوة أو شبكات النفوذ.
وبالتوازي مع ذلك، يواصل العراق انتهاج سياسة خارجية قائمة على التوازن، تعكس نضجًا متزايدًا في إدارة العلاقات الإقليمية والدولية، هذا التوازن الخارجي لا يكتمل إلا بجبهة داخلية متماسكة، لأن الدولة القوية في محيطها هي أولًا الدولة القوية في مؤسساتها واقتصادها وإدارتها. كما أن نجاح مشروع الدولة العراقية يظل مرتبطًا بقدرتها على تجاوز واحدة من أكثر الإشكاليات التي أثقلت الحياة السياسية طوال السنوات الماضية، وهي منطق المحاصصة الذي جعل الانتماءات السياسية أو الطائفية أو الحزبية تتقدم أحيانًا على معيار الكفاءة والخبرة. فالدول لا تُبنى بتوازنات مؤقتة، وإنما تبنى بعقول قادرة على الإنجاز، وبقيادات تمتلك الخبرة والنزاهة والرؤية، والاعتداد بالكفاءات الوطنية، وإسناد المسؤوليات إلى أصحاب الخبرة والقدرة، بعيدًا عن الحسابات الضيقة، يمثل استثمارًا حقيقيًا في مستقبل العراق، الذي يمتلك ثروة بشرية هائلة في مختلف المجالات العلمية والاقتصادية والهندسية والطبية والإدارية، سواء داخل البلاد أو بين أبنائه في الخارج، وهي طاقات قادرة على إحداث نقلة نوعية إذا ما توفرت لها بيئة عادلة تقوم على تكافؤ الفرص والنزاهة والشفافية.
لقد أثبتت التجارب العالمية الناجحة أن الدول التي انتصرت على الفساد لم تحقق ذلك عبر الحملات المؤقتة، وإنما عبر ترسيخ ثقافة مؤسسية تجعل النزاهة جزءًا من بنية الدولة، وتربط بين المساءلة والكفاءة، وبين الشفافية والتنمية. ولذلك فإن نجاح العراق في هذه المعركة يتطلب استمرار الإصلاحات، وتطوير التشريعات، وتفعيل الرقابة، وحماية المبلغين عن الفساد، وتوسيع التحول الرقمي الذي يقلل الاحتكاك المباشر ويغلق كثيرًا من منافذ الفساد الإداري، واليوم يقف العراق أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر كثيرًا، فالمعادلة باتت واضحة: دولة قوية، وسلاح بيدها وحدها، ومؤسسات تحكمها الكفاءة لا المحاصصة، وسياسة خارجية متوازنة، واقتصاد يستثمر ثرواته في خدمة شعبه، ومنظومة قانونية لا تتهاون مع الفساد أيًا كان مرتكبوه.














