معارضة ما بعد 2003 في العراق من خطاب الإسقاط إلى منطق البناء
محمد البغدادي
كاتب من العراق..السليمانية
منذ لحظة سقوط النظام السابق في نيسان 2003، حملت المعارضة العراقية معها إلى بغداد أدوات لم تعد صالحة للزمن الجديد. أدوات تشكلت في المنافي وسجون المعارضة ضد حكم فردي مغلق، حيث كان الهدف الأوحد هو إسقاط رأس السلطة. لكن حين تحولت تلك المعارضة إلى سلطة، ثم إلى خصوم لهذه السلطة، بقيت عالقة في المربع الأول: خطاب المزايدة، ولغة الطائفة المضادة، وانتظار لحظة الانهيار التي تعيد إنتاجها. وهكذا لم تتحول المعارضة العراقية طوال العقدين الماضيين إلى بديل حاكم، بل بقيت مرآة معكوسة للسلطة، تكرر عيوبها وتتغذى على فشلها دون أن تقدم مشروعاً مغايراً. المفارقة أن النظام السياسي بعد 2003، رغم كل علله، فتح باب المنافسة الدستورية والقانونية. البرلمان موجود، الانتخابات دورية، وحرية التعبير مكفولة نظرياً. لكن المعارضة التقليدية تعاملت مع هذه الأدوات كما لو كانت فخاً لا ساحة صراع. فاختارت الانسحاب حين تضيق عليها الغرف، أو الصراخ الإعلامي حين تشعر بالتهميش، أو الارتهان لمركز قوة خارجي حين تفقد الأرض. وفي كل الحالات خسرت المعارضة قبل أن تخسر السلطة، لأنها لم تفهم أن قواعد اللعبة تبدلت. فإسقاط الدكتاتور يختلف جذرياً عن إصلاح نظام ديمقراطي معوج، والأول يحتاج إلى شجاعة المواجهة، بينما يحتاج الثاني إلى صبر البناء. إن عجز المعارضة عن أن تكون إيجابية يعود في جوهره إلى ثلاث عقد متداخلة. العقدة الأولى هي عقدة الهوية، إذ حُبست المعارضة في قفص المكون. فكل معارض شيعي يُتهم بأنه ذراع المرجعية، وكل معارض كردي يُتهم بأنه مشروع انفصال، وكل معارض سني يُتهم بأنه امتداد للبعث. وهكذا غابت فكرة “المعارضة الوطنية” التي تخاطب المواطن بصفته مواطناً لا بصفته طائفة أو قومية. أما العقدة الثانية فهي عقدة المال الريعي، فطالما أن الدولة هي الموزع الأوحد للثروة والعقود والوظائف، صار الخروج من صف السلطة يعني الإفلاس السياسي والاجتماعي. فلم تتشكل طبقة وسطى مستقلة قادرة على تمويل معارضة مهنية لا تبتز ولا تُبتز. وأما العقدة الثالثة فهي عقدة السلاح، حين تحولت القوة المسلحة من أداة حماية إلى معيار شرعية سياسية، فصار وزن المعارض يُقاس بمدى قدرته على الردع لا بجودة حجته. وإذا كان التشخيص يشير إلى أن المعارضة التقليدية قد استنفدت وظيفتها، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف يمكن تأسيس معارضة إيجابية في بيئة بهذه التعقيدات؟ الجواب يكمن في قلب المعادلة المتعارف عليها رأساً على عقب. فبدل معارضة الشخص يجب أن تكون المعارضة معارضة ملف. لا قيمة لمهاجمة فلان لأنه فلان، فهذا ينتج عداوة شخصية تتلاشى بتغير الأشخاص. القيمة الحقيقية تكمن في مهاجمة ملف الكهرباء بخطة بديلة، وفضح الفساد في العقود بنموذج عقد شفاف، وتقديم موازنة ظل قبل أن تنشر الحكومة موازنتها. بهذه الطريقة تتحول المعارضة من صوت احتجاج إلى سلطة بديلة جاهزة، وتقول للناخب المتعب: نحن لا نعارض من أجل العرقلة، بل نعارض لأننا نملك حلاً. كما أن الشرعية البرلمانية يجب أن تحل محل شرعية الشارع الحصرية. لطالما اعتبرت قوى المعارضة أن المقاطعة والانسحاب من المؤسسات هو ذروة النضال. لكن التجربة العراقية أثبتت أن من يغادر القاعة يتركها خالية لخصومه. المعارضة الإيجابية تبقى داخل المؤسسة حتى لو كانت ضعيفة العدد، لأنها تستخدم الاستجواب والمساءلة ولجان التحقيق كأدوات فضح يومية. قاعة البرلمان بالنسبة لها ليست منبر خطابة، بل منبر محاسبة. وهنا يكمن الفرق بين معارضة تستهلك نفسها في الشعارات، ومعارضة تتراكم خبرتها التشريعية والرقابية لتصبح أهلاً للحكم. ولا يمكن الحديث عن معارضة وطنية دون جمهور وطني عابر للهويات. وهذا لن يتحقق بخطاب يقدس مظلومية المكون، بل بخطاب يوحد مظلومية المواطن. فالذي يقف في طابور البنزين في البصرة هو نفسه الذي يقف في طابور الرواتب في السليمانية، والخريج العاطل في الأنبار يعاني ما يعانيه نظيره في الناصرية. حين تختار المعارضة ملفات الخدمة الجامعة – الماء، الكهرباء، البطالة، الصحة – فإنها تكسر الجدار الطائفي عملياً لا شعاراتياً، وتبني قاعدة اجتماعية لا تفرقها خرائط المحاصصة. أخيراً، على المعارضة أن تتخلى عن عقلية الانتظار. المعارضة التي لا تبني نفسها إلا قبل الانتخابات بشهرين هي معارضة موسمية محكوم عليها بالفشل. النموذج الناجح هو نموذج “دولة الظل”، حيث يشكل المعارضون فريقاً موازياً لكل وزارة، ويصدرون تقارير شهرية، ويعقدون مؤتمرات صحفية بديلة، ويقدمون أنفسهم للناس كحكومة جاهزة في أي لحظة. هذا ما فعله حزب العمال البريطاني لعقود قبل أن يصل إلى داوننغ ستريت، وهذا ما تحتاجه المعارضة العراقية لتكسر دائرة “نجرب السيئ ثم نعود إلى الأسوأ”. إن مستقبل العراق السياسي لا يتحدد بسؤال “متى تسقط هذه الحكومة”، فهذا سؤال سهل وتاريخ العراق مليء بسقوط الحكومات. السؤال الأصعب والأكثر مصيرية هو “من البديل الجاهز للحكم بعدها؟”. والنظام السياسي الذي لا ينتج معارضة راشدة محكوم بالاحتكار، واحتكار السلطة في مجتمع طائفي متنوع يعني انفجاراً مؤجلاً لا محالة. وعليه، فإن بناء أسس معارضة إيجابية ليس ترفاً أخلاقياً، بل هو شرط بقاء النظام نفسه. والمعارضة التي لا تملك جواباً واضحاً على سؤال “ماذا بعد؟” هي في الحقيقة جزء من المشكلة، لا جزء من الحل.















