الديمقراطية ليست ساحة للتسقيط.. والإنجازات لا تحجبها حملات التشويه

phplove llمنذ 26 ثانيةآخر تحديث :
الديمقراطية ليست ساحة للتسقيط.. والإنجازات لا تحجبها حملات التشويه

الديمقراطية ليست ساحة للتسقيط.. والإنجازات لا تحجبها حملات التشويه

 

بقلم: الصحفي محمد السوداني

في الحياة السياسية، لا تُقاس قوة المواقف بارتفاع الأصوات، ولا تُثبت المعارضة حضورها عبر حملات التسقيط أو محاولات الانتقاص من الآخرين، بل بقدرتها على تقديم البدائل ومناقشة البرامج وكشف مواطن الخلل بالأدلة والحقائق. فالديمقراطية، في جوهرها، ليست رخصة للإساءة، ولا غطاءً لتصفية الحسابات، وإنما منظومة من الحقوق والواجبات، تحكمها القوانين وتصونها القيم الوطنية وأخلاقيات الاختلاف.

إن ما تشهده الساحة السياسية من سجالات واستهدافات متبادلة، ولا سيما حين تتحول الخلافات إلى تجاوزات شخصية أو اتهامات غير مسندة تطال زعيم ائتلاف الإعمار والتنمية، يضع الجميع أمام مسؤولية وطنية وأخلاقية تستوجب التوقف والمراجعة. فالنقد حق مشروع، والمساءلة واجب ديمقراطي، لكن تحويل الخلاف السياسي إلى حملات تشويه أو محاولات للنيل من السمعة من دون أدلة موثوقة، أمر لا يخدم الديمقراطية ولا يرتقي إلى مستوى المسؤولية التي يفترض أن يتحلى بها ممثلو الشعب.

إن المطلوب ليس إسكات الأصوات المخالفة، بل إخضاع الجميع لميزان القانون. فإذا ثبت أن أي نائب قد ارتكب تجاوزاً يعاقب عليه القانون، أو تعمد نشر معلومات كاذبة أو ارتكاب أفعال تستوجب المساءلة، فإن الواجب يقتضي إحالة الأمر إلى الجهات القضائية المختصة، والتحقيق فيه بشفافية، واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة وفق الأدلة والأصول الدستورية، بعيداً عن الانتقائية أو الانتقام السياسي. فالمساءلة العادلة، حين تطبق على الجميع بلا استثناء، تشكل رسالة واضحة بأن المنصب النيابي ليس حصانة من المسؤولية، وأن احترام القانون واجب على الجميع.

إن الديمقراطية لا تعني التخلي عن شرف الخصومة، ولا تعني تحويل الخلافات إلى مؤامرات تُحاك في المطابخ السياسية، ولا تعني نسف إنجازات الآخرين لمجرد الاختلاف معهم. فالتنافس السياسي النزيه يقوم على البرامج والمواقف والنتائج، لا على الشائعات والاتهامات المجردة ومحاولات صناعة صورة مشوهة لدى الرأي العام.

ومن المؤسف أن تنزلق بعض الخطابات إلى تسوية الحقائق أو تجاهل الوقائع، وكأن الخصومة السياسية تبيح تجاوز كل الحدود. والحقيقة أن من يمتلك الدليل لا يحتاج إلى التشهير، ومن يثق بموقفه لا يحتاج إلى اختلاق الاتهامات، ومن يريد خدمة الشعب عليه أن يقدم ما ينفعه من رؤى وحلول ومشروعات، لا أن يجعل من الإساءة إلى الخصوم بديلاً عن العمل السياسي الجاد.

إن استهداف أي شخصية سياسية، أياً كان موقعها، من دون الاستناد إلى وقائع مثبتة لا يسيء إلى المستهدف وحده، بل ينعكس سلباً على صورة المؤسسة التشريعية والمنظومة السياسية برمتها، ويضعف ثقة المواطن بالخطاب العام، ويكرس الاعتقاد بأن الصراع على النفوذ قد يتقدم على المصالح الوطنية. ولذلك فإن حماية الحياة السياسية تبدأ من ترسيخ ثقافة الاختلاف المسؤول، واحترام حق الرد، والتمييز الواضح بين النقد المشروع والتشهير الذي يستوجب المساءلة وفق القانون.

أما الإنجازات، فلا ينبغي أن تكون فوق النقد أو خارج التقييم، كما لا يجوز إنكارها بدوافع الخصومة. فالمشروعات والقرارات والنتائج تُناقش بمعايير موضوعية، ويكون الحكم عليها للوقائع والأرقام ومدى انعكاسها على حياة المواطنين. وهنا تتجلى قيمة الديمقراطية الحقيقية: أن يُترك للرأي العام أن يميز بين الادعاء والحقيقة، وبين الخطاب السياسي والعمل الملموس.

إننا لا نطالب بإسكات الخصوم، بل بإسكات لغة التجاوز عبر القانون، ولا ندعو إلى الانتقام، بل إلى العدالة، ولا نريد تحصين أي مسؤول من النقد، بل نرفض أن يتحول النقد إلى أداة للتشهير وتزييف الحقائق. فالمحاسبة لا تكون بالشعارات، وإنما بالأدلة والإجراءات القانونية العادلة، والحقوق لا تُصان بازدواجية المعايير، بل بالمساواة أمام القانون.

وفي نهاية المطاف، ستبقى الحقيقة أقوى من حملات التشويه، وستظل الوقائع أبلغ من الضجيج، وستكشف الأيام ما تخفيه المواقف وما تثبته الإنجازات. فالحقيقة لا يحجبها الغربال، والإنجازات تتحدث بما تقدمه للناس، والتاريخ لا يكتبه صخب التصريحات، بل ما يتركه العمل من أثر في حياة المواطنين.

فلتكن المنافسة بالبرامج، والخصومة بالأدلة، والمحاسبة بالقانون، وليكن احترام الدولة ومؤسساتها خطاً أحمر لا يتجاوزه أحد. فالديمقراطية مسؤولية قبل أن تكون امتيازاً، وشرف الخصومة اختبار لأخلاق السياسيين، وسيادة القانون هي الفيصل الذي يحمي الجميع.

اترك تعليق

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من إضافة التعليقات

الاخبار العاجلة