عندما تصبح المطارات بوابةً لخسارة الوطن

phplove llمنذ 34 ثانيةآخر تحديث :
عندما تصبح المطارات بوابةً لخسارة الوطن

عندما تصبح المطارات بوابةً لخسارة الوطن

 

 

مصطفى طارق الدليمي /زاوية “أرشيف وطن”

 

 

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كان الطبيب والمهندس والأستاذ الجامعي العراقي يُستقبل في كثير من العواصم العربية بوصفه أحد خريجي منظومة تعليمية رصينة صنعتها الدولة العراقية

وكانت الجامعات العراقية تستقطب طلبةً من مختلف البلدان فيما أسهمت الكفاءات العراقية في بناء المدارس والمستشفيات والجسور والمؤسسات في الداخل والخارج كان العراق آنذاك يُصدّر المعرفة والخبرة كما يُصدّر موارده وكانت الكفاءة العراقية عنواناً للكفاءة المهنية والثقة العلمية اليوم تغيّر المشهد ففي قاعات المطارات يقف شاب يحمل شهادةً جامعية وحقيبة سفر ينتظر رحلة لا يبحث فيها عن مغامرة انما عن فرصة يعتقد أنها لم تعد متاحة في وطنه وبين الصورتين تختصر واحدة من أكبر الخسائر التي يواجهها العراق هجرة الكفاءات

ليست هجرة الكفاءات العراقية ظاهرة مستحدثة لكنها خلال العقدين الماضيين تحولت إلى واحدة من أكثر الخسائر هدوءاً وأشدها أثراً فهي لا تظهر في أرقام الموازنات ولا تُقاس بحجم الصادرات أو أسعار النفط لكنها تستنزف رأس المال البشري الذي تعتمد عليه الدول في بناء اقتصادها ومؤسساتها وكل طبيب أو مهندس أو باحث أو أستاذ جامعي يغادر البلاد يحمل معه سنوات من المعرفة والخبرة ويمنحها لاقتصاد آخر كان العراق أولى بها

ولا يصعب فهم الأسباب التي تدفع كثيراً من أصحاب الاختصاص إلى اتخاذ هذا القرار فالكفاءة تبحث عن بيئة تُقدّر العلم وتحترم الجهد وتمنح الفرصة على أساس الاستحقاق وعندما تصبح فرص العمل مرتبطة “بالمحاصصة”أو “الوساطات”وتواجه المؤسسات تحديات إدارية ومالية وتتراجع بيئة البحث العلمي والتطوير يجد كثير من الشباب أن الهجرة تمثل طريقاً لبناء مستقبلهم المهني وتنعكس هذه الظاهرة على قطاعات حيوية تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة فالقطاع الصحي يحتاج إلى الأطباء الاختصاصيين والجامعات تحتاج إلى الباحثين وأعضاء الهيئات التدريسية وقطاع الإعمار يحتاج إلى المهندسين وأصحاب الخبرات الفنية وكلما ازدادت أعداد المغادرين اتسعت الفجوة بين احتياجات الدولة وما تمتلكه من موارد بشرية قادرة على تلبيتها

ولا تقف الخسارة عند حدود الأفراد انما تمتد إلى الاقتصاد الوطني فالدولة تنفق سنوات طويلة على تعليم الطالب في المدارس والجامعات وتوفر له البنية التعليمية حتى يتخرج ثم تجد أن ثمرة هذا الاستثمار تنتقل إلى مؤسسات في دول أخرى وهكذا تتحول العقول العراقية إلى عنصر إنتاج في اقتصادات أجنبية بينما تبقى المؤسسات المحلية تبحث عن الخبرات التي أسهمت هي نفسها في إعدادها

وتزداد خطورة الظاهرة عندما تنعكس على الأجيال اللاحقة فغياب الخبرات عن الجامعات ومراكز البحث والمستشفيات يضعف عملية إعداد كوادر جديدة ويؤخر نقل المعرفة والخبرة ويجعل عملية التنمية أكثر صعوبة حتى مع توافر الموارد المالية والإمكانات الطبيعية

ولا يمكن الحد من هجرة الكفاءات عبر الدعوات العاطفية أو الشعارات وإنما من خلال بناء بيئة عمل مستقرة وتعزيز استقلالية المؤسسات ودعم البحث العلمي وربط التعليم باحتياجات سوق العمل واعتماد الكفاءة معياراً للتعيين والترقي إلى جانب إطلاق برامج حقيقية للاستفادة من خبرات العراقيين في الخارج سواء عبر الشراكات الأكاديمية أو المشاريع الاستثمارية أو نقل المعرفة

لقد أثبتت تجارب الدول أن الثروة الطبيعية وحدها لا تصنع التنمية، وإنما تصنعها العقول القادرة على تحويل الموارد إلى مشاريع ومؤسسات وإنجازات والعراق وهو يمتلك ثروات كبيرة وإمكانات بشرية متميزة يبقى أمام تحدٍ لا يقل أهمية عن أي تحدٍ اقتصادي أو سياسي الحفاظ على الإنسان فالدول تُبنى بعقول أبنائها وكل عقل يغادر بحثاً عن فرصة يترك وراءه فراغاً لا تملؤه الثروات لأن خسارة الكفاءات ليست خسارة أفراد انما خسارة جزء من مستقبل الوطن

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة